خيار المجلس في عقد البيع، وجعل خيار المجلس في عقد الإجارة؛ لأن المسلم يحتاج إلى شيء من الروية قبل أن يبتّ البيع ويلزم به. فالمقصود أن هذا النوع وهو ما يقصد به الغبن نجد الشرع يحيط البائع والمشتري بسياج متين يقصد منه حفظ الحقين: حق البائع، وحق المشتري، فحق البائع ألا يبذل سلعته إلا وهو مطمئن، وحق المشتري ألا يدفع القيمة إلا وهو مطمئن إلى الوصول إلى ما يريده أو يبتغيه من صفقته. العقود التي يدخلها الخيار والتي لا يدخلها ثم إن العقود تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: ما لا يلزم الطرفين لا حالًا ولا مآلًا. القسم الثاني: ما يلزم الطرفين حالًا ومآلًا. القسم الثالث: ما يلزم الطرفين أو أحدهما مآلًا لا حالًا. فهذه ثلاثة أقسام للعقود. يتركب منها مسألة الخيار، فحتى نعرف أين محل الخيار في العقود والمعاملات المالية وما يتبعها، ينبغي أن نقسم بهذه التقسيمات: القسم الأول: ما كان من العقود غير لازم لا حالًا ولا مآلًا: وهذا يشمل الأنواع الآتية: أولها: عقد العارية. ثانيها: عقد الوديعة. ثالثها: عقد القراض أو ما يسمى بالمضاربة. رابعها: عقد الشركة. نبدأ بالعارية: وهي أن يأخذ يستعير منك شيئًا، كالسيارة مثلًا، فإنك لست بملزم بأن تدفع له السيارة، فلك أن تعطيه ولك ألَّا تعطيه. فإذا أخذ السيارة وجئت في أي وقت تقول له: أعطني إياها، فإنه يلزمه أن يعطيك. كذلك أيضًا إذا أخذها هو وأراد أن يردها لك في أي وقت فله ردها، فالأخذ في مقابله الرد لا يلزم لا حالًا ولا مآلًا، فهذا النوع يكون الخيار ثابتًا فيه للطرفين إلى الأبد، وليس من حق أحدهما أن يقطع الخيار على الآخر. وكذلك الوديعة: لو أن شخصًا جاءك وقال: هذه عشرة آلاف ضعها وديعةً عندك. فمن حقك أن تقول: لا أضعها، وتمتنع من ذلك، وإذا وضعتها فمن حقك بعد دقيقة واحدة أن تقول له: تعال يا فلان وخذ وديعتك، ولست ملزمًا بأن تبقيها المدة التي اتفقتما عليها، وكذلك هو لو قال لك: ضعها وديعةً عندك شهرًا، فجاءك بعد ساعة أو بعد يوم، فمن حقه أن يأخذها في أي وقت شاء. فإذًا: لا تَلزمك ولا تَلزمه لا حالًا ولا مآلًا. القسم الثاني من المعاوضات -وهو الذي يعنينا وهو المهم-: ما يلزم حالًا ومآلًا: وهو أن تتعاقد مع الطرف الثاني فتُلْزَم بالعقد حالًا، وتلزم به مآلًا، ويسمى هذا النوع من العقود:"العقود اللازمة"، ويعبر عنها بعض العلماء فيقول: تلزم في أول حال وثاني حال، مثل: البيع .. الإجارة .. النكاح .. الخلع. فمثلًا في البيع: لو قال لك: بعتك سيارتي بعشرة آلاف. فقلت: قبلت، فإذًا:"بعتك"إيجاب، و"قبلت"قبول، فتم العقد، فالأصل يقتضي أنك ملزَم بهذا البيع أن تدفع له العشرة آلاف ويدفع لك السيارة. كذلك لو قال لك: زوجتك بنتي فلانة بعشرة آلاف. فقلت: قبلت، فإنك ملزم بهذا النكاح، ويعتبر النكاح لازمًا لولي المرأة ولازمًا للمرأة ولازمًا للزوج، أي: يعتبر لازمًا لطرفي العقد أصالةً ووكالةً، فليس من حقك أن تقول: لا أريدها، فإذا قلت: لا أريدها فحينئذٍ هناك طريقة لفسخ هذا العقد، فالعقد لازمٌ وماضٍ، فإذا أردت أن تطلق طلقت، وهي إذا ظُلِمَت فلها أن تفسخ عن طريق القاضي؛ لكن العقد لازمٌ وماضٍ من حيث الأصل، فاللزوم ثابت فيه في أول العقد الذي هو الحال، ولازم في المآل، فهو باقٍ ولازمٌ إلى الأبد. كذلك أيضًا في الخلع؛ قالت له: خالعني بعشرة آلاف، فقال: قبلت، فإنه يُلزم بخلع المرأة منه ويلزمه قبول العشرة آلاف. فهذا العقد الذي تمّ بينهما وهو خلع النكاح وفسخه على هذا الوجه بعشرة آلاف، يلزم المرأة أن تدفع العشرة آلاف ويلزم الرجل أن يخالعها، إذًا: يلزمهم في الحال ويلزمهم في المآل. وهذا القسم الثاني من المعاملات الذي يلزم في الحال والمآل ينقسم إلى نوعين: النوع الأول: ما يدخله الخيار، وهذا هو الذي يعنينا هنا كالبيع والإجارة والسلم والصلح بعوض. النوع الثاني: ما لا يدخله الخيار، كالنكاح والرجعة والخلع، فهذه لا يدخلها خيار ألبتة. القسم الثالث: ما لا يلزم حالًا ويلزم مآلًا: فمن أمثلته: الجعالة، لو أن رجلًا قال: من وجد سيارتي الضائعة فله عليَّ عشرة آلاف ريال، فالناس غير ملزمين أن يذهبوا ليبحثوا عن سيارته، فإن شاءوا بحثوا وإن شاءوا لم يبحثوا، فليس بلازمٍ أن يقوموا بالعقد، فلو أن رجلًا ذهب وبحث
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)