قوله: (وإن بلغ قلتين) وهو الكثير فخالطته نجاسة غير بعر لآدمي وعذرته المائعة إلى آخره. هذا المذهب عند أكثر المتقدمين، والرواية الثانية: أنه لا ينجس ما لم يتغير وهو مذهب أكثر أهل العلم لا يفرقون بين البول وغيره من النجاسات، وهو الصحيح من المذهب، وقال البخاري باب البول في الماء الدائم، وذكر حديث أبي هريرة: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» [1] ، قال الحافظ: ولفظ أبي داود: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة» [2] .
[4/أ] واستدل به بعض الحنفية على تنجيس الماء المستعمل؛ لأن البول ينجس الماء فكذلك الاغتسال، وقد نهى عنهما معا، وهو للتحريم، فيدل على النجاسة فيهما، ورد بأنها دلالة اقتران وهي ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها، فلا يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطهورية.
ويزيد ذلك وضوحا قوله في رواية مسلم: «كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا» [3] ، فدل على المنع من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملا فيمتنع عن الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طهور، وقد تقدمت الأدلة على طهارته، ولا فرق في الماء الذي لا يجري في الحكم المذكور بين بول الآدمي وغيره خلافًا لبعض الحنابلة، ولا بين أن يبول في الماء أو يبول في إناء ثم يصبه فيه خلافًا للظاهرية.
وهذا الحكم محمول على الماء القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حد القليل، وقد تقدم قول من لا يعتبر إلا التغير وعدمه وهو قوي، لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه.
(1) أخرجه البخاري (238) ، ومسلم (282، 283) في الطهارة.
(2) أخرجه أبو داود (70) ، وابن حبان في صحيحه (1257) .
(3) أخرجه مسلم (283) ، في الطهارة، وابن حبان (1252) وغيرهما.