وقال البخاري أيضًا، باب من لم ير غسل الشهيد، ذكر حديث جابر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ادفنوهم في دمائهم) ، يعني يوم أحد ولم يغسلهم [1] .
قال الحافظ: واستدل بعموم الحديث على أن الشهيد لا يغسل حتى ولا الجنب والحائض وهو الأصح عند الشافعية، وقيل: يغسل للجنابة لا بنية غسل الميت لما روي في قصة حنظلة بن الراهب أن الملائكة غسلته يوم أحد لما استشهد وهو جنب وقصته مشهورة رواها ابن إسحاق وغيره، وأجيب بأنه لو كان واجبا ما اكتفي فيه بغسل الملائكة، فدل على سقوطه عمن يتولى أمر الشهيد، والله أعلم انتهى ملخصًا.
وقال في الاختيارات: وترك النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل الشهيد والصلاة عليه يدل على عدم الوجوب أما استحباب الترك فلا يدل على تحريم الفعل.
فصل في الكفن
(يجب تكفينه في ماله) لقوله - صلى الله عليه وسلم - في المحرم «كفنوه في ثوبيه» (مقدمًا على دين) ولو برهن (وغيره) من وصيةٍ وإرْث لأَن المفلس يقدم بالكسوة على الدين، فكذا الميت.
فيجب لحق الله وحق الميت ثوب لا يصف البشرة، يستر جميعه من ملبوس مثله ما لم يوص بدونه والجديد أفضل (فإن لم يكن له) أي للميت (مال) فكفنه ومؤونة تجهيزه (على من تلزمه نفقته) .
لأن ذلك يلزمه حال الحياة، فكذا بعد الموت (إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته) ولو غنيًا، لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية والتمكن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت فإن عدم مال الميت، ومن تلزمه نفقته، فمن بيت المال، إن كان مسلمًا فإن لم يكن، فعلى المسلمين العالمين بحاله.
قال الشيخ تقي الدين: من ظن أن غيره لا يقوم به تعين عليه فإن أراد بعض الورثة أن ينفرد به لم يلزم بقية الورثة قبوله لكن ليس للبقية نبشه وسلبه من كفنه بعد دفنه.
(1) أخرجه البخاري (1346) .