وليس غريبا على من نشأ في هذا الجوّ العلميّ أن يكون [1] : «صدوقا فاضلا، ديّنا خيّرا، من أهل السّنّة» ، وأن يكون [2] : «من أعلم الناس بالنّحو والأدب، وأكثرهم حفظا له» .
ولقد بلغ في الذكاء مبلغا يضرب به المثل، قال النديم في الفهرست [3] :
«كان أفضل من أبيه وأعلم، في نهاية الذكاء والفطنة، وجودة القريحة، وسرعة الحفظ، وكان مع ذلك ورعا من الصّالحين، لا تعرف له زلّة، وكان يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب» .
حبه للعلم:
وكان محبا للعلم، قال الخطيب [4] : «وحدّثت عنه أنه مضى يوما في النّخاسين، وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف، قال: فوقعت في قلبي، ثم مضيت إلى أمير المؤمنين الراضي، فقال لي: أين كنت إلى السّاعة؟ فعرّفته فأمر بعض أسبابه فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلي، فجئت فوجدتها، فعلمت الأمر كيف جرى، فقلت لها: كوني فوق إلى أن أستبرئك وكنت أطلب مسألة قد اختلّت عليّ، فاشتغل قلبي، فقلت للخادم، خذها وامض بها إلى النّخاس فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي. فأخذها الغلام، فقالت: دعني حتى أكلّمه بحرفين، فقالت: أنت رجل لك محلّ وعقل، وإذا أخرجتني ولم تعين لي ذنبي لم آمن أن يظن النّاس فيّ ظنّا قبيحا، فعرّفنيه قبل أن تخرجني. فقلت لها:
ما لك عندي عيب، غير أنك شغلتني عن علمي، فقالت: هذا أسهل عندي.
قال: فبلغ الراضي أمره فقال: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرّجل».
(1) إنباه الرواة 3/ 201.
(2) إنباه الرواة 3/ 201.
(3) الفهرست 82.
(4) تاريخ بغداد 2/ 184، إنباه الرواة 3/ 204.