قال محمد بن جعفر التميميّ [1] : فأما أبو بكر محمد بن القاسم بن الأنباري فما رأينا أحفظ منه ولا أغزر بحرا من علمه.
ولكي يحافظ على هذا العلم الغزير ألزم نفسه اتباع طريقة معينة في الحياة لا يطيقها غيره فقد كان يدرس في كل جمعة عشرة آلاف ورقة [2] .
وحكى أبو الحسن العروضي، قال: اجتمعت أنا وهو عند الراضي على الطعام، وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبو بكر، فكان يسوّي له قليّة يابسة.
قال: فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطايبه، وهو يعالج تلك القليّة ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها، وقام وقمنا إلى الخيش، فنام بين الخيشين، ونمنا نحن في خيش ينافس فيه، ولم يشرب ماء إلى العصر، فلمّا كان العصر قال لغلام: الوظيفة، فجاءه بماء من الحبّ، وترك الماء المزمّل بالثلج. فغاظني أمره فصحت بصيحة، فأمر أمير المؤمنين بإحضاري، وقال: ما قصّتك؟ فأخبرته، وقلت: هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه، لأنّه يقتلها ولا يحسن عشرتها. قال: فضحك وقال: له في هذا لذّة، وقد جرت به العادة، وصار إلفا فلن يضرّه. ثم قلت: يا أبا بكر، لم تفعل هذا بنفسك؟ قال: أبقي على حفظي. قلت له: قد أكثر النّاس في حفظك، فكم تحفظ؟ قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا.
قال محمد بن جعفر: وهذا ما لا يحفظ لأحد قبله ولا بعده، وكان أحفظ النّاس للغة ونحو وشعر وتفسير وقرآن.
فحدّثت أنه كان يحفظ عشرين ومئة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها!.
وقال أبو العباس ابن يونس: كان آية من آيات الله في الحفظ.
ولم يكن حفظه حفظ رواية فحسب، بل كان حفظ دراية وفهم وتطبيق
(1) تاريخ بغداد 2/ 183، إنباه الرواة 3/ 203.
(2) المنتظم 6/ 315.