في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أينقص الرطب إذا يبس؟"ما يدل على أن النهي في حالة بيع الرطب بالتمر حالًا لعدم التماثل بينهما؛ لأنه وإن تساويا في الكيل إلا أن الرطب سوف ييبس فيقل كيله، وأما إذا كان النهي إنما هو مقتصر على بيعهما نسيئة لم يعد لهذا التعليل معنى؛ لأن النسيئة محرمة، حتى بين التمر بالتمر المتماثلين، فلا يخشى من نقص أحدهما.
وأما الطحاوي وابن التركماني وغيرهما فسبق أنهم يرجحون رواية يحيى بن أبي كثير، وقد أتى الطحاوي على رواية إسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد فضعفهما لما وقع في بعض الأسانيد عنهما من خطأ. وفعل نحو ذلك ابن التركماني وزاد عليه أن ضعف حتى رواية مالك بحجة اختلاف وقع عليه في بعض الأسانيد، وقد خالفه الطحاوي فصحح رواية مالك وعارضها برواية يحيى بن أبي كثير والمتابعة التي جاءت بمعناها، ثم قال عن رواية مالك ومن معه:"فبان بحمد الله ونعمته فساد هذا الحديث في إسناده وفي متنه1 جميعًا"2.
ولكن يظهر أن ما ذكراه فيه نظر؛ لأن الخطأ في بعض الأسانيد المروية في حديثٍ ما لا يعني ضعف الحديث كله، وإلا فإن كثيرًا من
1 مما جعل الحنفية لا يأخذون بمتن الحديث الذي فيه النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقًا، هو أنهم قالوا: إن الرطب والتمر إما أن يكونا جنسًا واحدًا فيشترط في بيعهما الحلول والتساوي، وإما أن يكونا جنسين مختلفين فيشترط في بيعهما الحلول، ويجوز التفاضل. ولا ينهى عن بيع ربويين إلا مع النسيئة أو التفاضل في الجنسين.
وجواب الجمهور عن قولهم هو أن الرطب والتمر جنس واحد إلا أنه لا تتحقق بينهما المساواة، فلا يجوز بيعهما مطلقًا.
2 شرح مشكل الآثار (15/476) .