فهرس الكتاب
فالجواب عن ذلك بعدم التسليم أن ذلك احتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولو سُلم لكان قبل شرع صلاة الجمعة وخطبتيها؛ حيث جاء فِي رواية عبدالرزاق بسند صححه ابن حجر أن ابن سيرين قال: وقبل أن تنْزل الجمعة وفيها: فأنزل الله فِي ذلك بعد:"يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله"الآية.
فتركهم لهذا الاجتماع على يوم محدد ـ بعد نزول الجمعة ـ دليل على عدم مشروعية أي اجتماع آخر له سمة العيد، وفيه دليل أيضًا على أنهم يعرفون مثل هذه الطرق؛ فتركوها اكتفاء بما شرعه الله يوم الجمعة من الصلاة والتذكير والوعظ في خطبتيها.
ولو قيل: إن البدعة إنما تصدق على الأعياد التعبدية دون العادية؛ وذلك لأن لأصحاب هذه الأعياد أن يقولوا: نحن لا نتعبد بها؛ بل نفعلها محبة للرسول أو الولي؛ كمحبة الوطن، ويقولون أيضًا: إن التعبد فيها إنما يُعتبر بمعناه العام الذي لا بدعة فيه؛ لا بمعناه الخاص، وإذا أجزتم لأهل الدنيا التعبير عن شعورهم بإحداث عيد لمناسبة ترابية فبالأولى أن يجوز ذلك لمعنى صحيح لا يوجد فيه تعبد محض.
فالجواب: أن هذا لا يصح؛ فإن الأعياد الشرعية ذات صفات تعبدية محضة يظهر هذا في اختيار زمانها وبعض أعمالها، وقد تقرر في التأصيل أن ما كان عبادة محضة فهو من جملة الدين المنزل الذي لا يجوز الحدث فيه بالزيادة عليه، أو النقص منه، أو التصرف في أعماله التي حدتها الشريعة.
كما أن الأعياد التي تنازع الناس فيها قد سُلك بها طريق التعبد المحض باختيار الزمان دون مناسبة عقلية؛ فكانت إقامتها على هذا الوجه من المضاهاة التي تحيل العمل العادي إلى أمر تعبدي يصدق عليه وصف البدعة.
ولا يصح أن يُقصر مناط الحكم بالمنع على التشبه بالكفار في هذه الأعياد؛ فلو صح ذلك لم تكن هذه الأعياد ممنوعة حرمة؛ لأن القاعدة في التشبه: أن ما لم يكن من خصائص مَنْ نُهينا عن التشبه بهم فلا يُعتبر تشبهًا مذمومًا، وهذه الأعياد ليست من خصائص الكفار؛ بل صار يشترك فيها المسلم والكافر؛ كبعض الملابس التي كانت خاصة بهم ثم صارت مشاعة بين الأمم؛ فلم يعد لبسها تشبهًا.
فتلخص من هذا أن كل ما فيه سمات العيد المذكورة في تأصيل المسألة فهو ممنوع؛ لأن الأعياد محدودة؛ فهي من جملة الشرائع والمناهج التي لا يزاد على الوارد فيها بشيء، ولما في الأعياد المحدثة من المضاهاة المذكورة؛ فكل عيد سوى أعياد الإسلام فهي أعياد محدثة سواء أريد به القربة وتعظيم الدين؛ كعيد المولد، أو عيد الإسراء والمعراج، أو كان عيدًا عاديًا؛ كعيد النيروز أو عيد الجلوس أو عيد الثورة أو عيد الاستقلال وغيرها من الأعياد التاريخية والقومية والعرقية.
التزام لباس معين لأهل العلم أو الزهد:
جاءت الشريعة باللباس المعين المحدود في المناسك؛ فلا يُشرع أن يتخذ أحد لباسًا يدل على معان شرعية من العلم أو الزهد والتصوف؛ فإن في ذلك مضاهاة للمشروع.
ومن المعلوم أن من مقاصد هذه الشريعة سد كل باب يؤدي إلى الرياء والسمعة.
وقد كان الداخل على النبي صلى الله عليه وسلم لا يفرق بينه وبين أصحابه لا في لباسه ولا في موضعه.
مع ما في ذلك من التشبه باليهود والنصارى الذين نهينا عن مشابهتهم؛ حيث يجعلون لباسًا لعلمائهم وعبادهم.
وانظر في ذلك كلامًا نفيسًا لابن الحاج في"المدخل" (1/ 136) .
وإذا كان اللباس مجرد زينة للمناسبات والمجامع، ولا يختص به العالم والزاهد عن غيره فلا حرج فيه.
تخصيص أيام الأعياد والجُمع لزيارة المقابر:
وذلك بدعوى عموم أدلة مشروعية الزيارة مطلقة أو عامة؛ وهذا مسلك غير صحيح؛ فيجب أن تبقى على عمومها أو إطلاقها ولا تقيد أو تخص بالرأي؛ فعليه حينئذ أن يعود نفسه على زيارة المقابر حسب الاتفاق.
أما إذا كان وقت الزيارة هو وقت الفراغ أو النشاط؛ دون أن يكون الزمان مقصودًا للزائر فلا شيء فِي ذلك؛ كمن لا يجد فراغًا مطلقًا إلا يوم الخميس أو الجمعة مثلًا؛ فله أن يجعل الزيارة فِي هذا الوقت؛ لأنها صارت معقولة المعنى فلم ينطبق عليها حد البدعة.
مما لا تدخله البدعة:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)