فهرس الكتاب

الصفحة 1063 من 1638

أن تتحرك بعد أنباء غزوة أحد لتقصد المدينة وتسبيحها [1] .

كانت هذه الغزوة دورة تربوية رائعة وقاسية وشاملة يقودها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه ألف من أصحابه، فيتلقون فيها كل لحظة دروسًا في الطاعة والانضباط، ودروسًا في التدريب الجسمي والعسكري والتحمل لمشاق الحياة وصعوباتها، وأحكامًا وفقهًا في الحلال والحرام، وعمليات صهر وتذويب لقواعد الجيش الإسلامي في بوتقة واحدة خارج إطار العشيرة، وخارج كيان القبيلة، حيث أخذت تفد إلى المدينة عناصر كثيرة من أبناء القبائل المجاورة، والتخلي عن الأطر القبلية وعصاباتها للإنصهار في بوتقة الأمة الواحدة التي تجعل الولاء لله ورسوله وفوق هذا كله تتيح الفرصة لجيل بدر الرائد أن يقوم بمهمة التربية للوافدين الجدد وتعليمهم وتثقيفهم، كما تتيح الفرصة لكشف ضعاف النفوس، ومن له صلة بمعسكر النفاق من خلال مراقبة تصرفاته وسلوكه. إنها ليست ساعات محدودة أو أيامًا معدودة بل هي دورة قرابة شهر، لايمكن إلا أن تبرز فيها كل الطبائع وكل النوازع، فيتلقاها عليه الصلاة والسلام ليصوغها على ضوء الإسلام ويعلم الجيل الرائد فن القيادة، وعظمة السياسة.

كانت معركة صامتة، وتربية هادئة، وكان الجيش مع قائده يقطع ماينوف عن ألف ميل في هذه الصحراء يتربى ويتثقف ويتدرب، ويمتحن ويقوّم ليكون هذا استعدادًا لمعارك قادمة [2] وفي غيابه في غزوة دومة الجندل عين - صلى الله عليه وسلم - سباع بن عرفطة الغفاري واليًا على المدينة في تجربة جديدة، فهو ليس أوسيًا ولاخزرجيًا ولاقرشيًا بل من غفار التي كانت تعتبر من سراق الحجيج عند العرب، فلابد لهذا الجيل أن يتربى على الطاعة والإنضباط للأمير أيًا كان شأن هذا الأمير وهذا يدل على عظمة المنهج النبوي في

(1) انظر: التربية القيادية (3/ 372) .

(2) نفس المصدر (3/ 373) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت