ماهو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ماجربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم الهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ -} [1] وفي رواية - ناداهم بطنًا بطنًا، ويقول لكل بطن: (أنقذوا أنفسكم من النار ... ) ، ثم قال: (يافاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها) [2] كان القرشيون واقعيين عمليين، فلما رأوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق الأمين، قد وقف على جبل يرى ما أمامه، وينظر إلى ماوراءه، وهم مايرون إلا ماهو أمامهم، فهداهم انصافهم وذكاؤهم إلى تصديقه، فقالوا نعم:
ولما تمت هذه المرحلية الطبيعية البدائية، وتحققت شهادة المستمعين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) وكان ذلك تعريفًا بمقام النبوة، وماينفرد به من علم بالحقائق الغيبية والعلوم الوهبية، وموعظة وانذارًا، في حكمة وبلاغة، لانظير لهما في تاريخ الديانات والنبوات، فلم تكن طريق أقصر من هذا الطريق، ولا أسلوب أوضح من هذا الأسلوب، فسكت القوم [3] ، ولكن أبا لهب قال: (تبًا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟. وبهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وضع للأمة أسس الأعلام فقد اختار مكانًا عاليًا وهو الجبل ليقف عليه وينادي على جميع الناس فيصل صوته إلى الجميع، وهذا ماتفعله محطات الإرسال في عصرنا الحديث لتزيد من عملية الانتشار الإذاعي، ثم اختار لدعوته الأساس المتين ليبني عليه كلامه وهو الصدق، وبهذا يكون - صلى الله عليه وسلم - قد علم
(1) مسلم، كتاب الايمان، (1/ 194) الآيتان من سورة المسد (1 - 2) .
(2) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الشعراء (8/ 501) .
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، ص 138.