حين نزول قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ -} (سورة الحجر، الآيتان:94 - 97) .
كانت النتيجة لهذا الصدع هي الصد والإعراض والسخرية والإيذاء والتكذيب، والكيد المدبر المدروس، وقد اشتد الصراع بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه، وبين شيوخ الوثنية وزعمائها وأصبح الناس في مكة يتناقلون أخبار ذلك الصراع في كل مكان، وكان هذا في حد ذاته مكسب عظيم للدعوة، ساهم فيه أشد وألد أعدائها ممن كان يشيعون في القبائل قالة السوء عنها، فليس كل الناس يسلمون بدعاوى زعماء الكفر والشرك.
كانت الوسيلة الإعلامية في ذلك العصر تناقل الناس للأخبار مشافهة وسمع القاصي والداني بنبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصار هذا الحدث العظيم حديث الناس في المجالس ونوادي القبائل، وفي بيوت الناس [1] .
كانت أهم اعتراضات زعماء الشرك موجهة نحو وحدانية الله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، ورسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقرآن الكريم الذي أنزل عليه من رب العالمين.
وفيما يلي تفصيل لهذه الاعتراضات والرد عليها:
أولًا: الإشراك بالله:
لم يكن كفار مكة ينكرون بأن الله خلقهم وخلق كل شيء:
قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (سورة لقمان، الآية:25) . لكنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله: قال تعالى: أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ
(1) انظر: الغرباء الأولون، ص 167.