عندهم القرآن وهو آية من الآيات، وبينة البينات؛ ولذلك لماسألوا ما اقترحوا من هذه الآيات وغيرها ردّ عليهم سبحانه [1] بقوله: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ - قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ -} (سورة العنكبوت، الآيات: 50 - 52) .
وقد ذكر عبدالله بن عباس - رضي الله عنه - رواية مفادها: أن قريش قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم. قال فدعا: فأتاه جبريل فقال: إن ربك -عز وجل- يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة. فقال: بل باب التوبة والرحمة؛ فأنزل الله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} (سورة الاسراء، الآية:59) [2] .
لقد كان هدف زعماء قريش من تلك المطالب هو شن حرب إعلامية ضد الدعوة والداعية وتأمر على الحق كي تبتعد القبائل العربية عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم يطالبون بأمور يدركون أنها ليست طبيعة هذه الدعوة ولهذا أصروا عليها، بل لقد صرحوا بأن لو تحقق شيء من ذلك فلن يؤمنون أيضًا بهذه الدعوة، وهذا كله محاولة منهم لإظهار عجز الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتخاذ ذلك ذريعة لمنع الناس عن أتباعه [3] .
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 320،321) .
(2) صحيح السيرة النبوية، ص 90.
(3) انظر: الوفود في العهد المكي، ص 40 - 51.