وأما فعل ابن عمر - رضي الله عنه - فليس حجة.
قال ابن القيم وغيره: أن ابن عمر كان يأخذ بالتشديدات لا يوافقه عليها كثير من الصحابة.
وابن عمر - رضي الله عنه - لم يأمر الناس وإنما أخذه بنفسه.
"ويجزئ إن ظهر منه"
أي صوم ذلك اليوم، بمعنى لو صام يوم الثلاثين وليلة الثلاثين حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ثم تبين أنه من رمضان كيف ذلك؟
رئاه أناس لم يكن عندهم غيم ولا قتر، فالمذهب يقول يجزئ صومهم لاحتياطهم للعبادة فتصلى التراويح تلك الليلة.
"وإذا رئي في بلد لزم الصوم جميع الناس"
مسألة: إذا رئي في بلد هل يجب الصوم على جميع الناس أم لا؟
تسمى هذه المسألة اتحاد المطالع واختلاف المطالع، واختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا.
القول الأول: أنه إذا رئي في بلد فإنه يجب على الناس الصيام ولا عبرة بمطالع الهلال، واستدلوا بعموم الحديث (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) ).
وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185.
القول الثاني: إن ثبت عند الإمام الأعظم فيجب الصوم على الجميع، لأنه إذا حكم الحاكم يرفع الخلاف وهناك رئي باعتبار الأقاليم.
القول الثالث: أن المعتبر رؤية أهل مكة (أحمد شاكر) .
ويستدلون لهذا بأن مكة معتبرة بمناسك الحج ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) )خطاب لأهل مكة.
القول الرابع: أن المعتبر اتحاد المطالع واختلافها (الشافعي وابن تيمية) وهو الراجح.
فإذا رئي في هذه البلدة ينظر إلى البلاد التي توافقها في مطلع الهلال فيجب عليهم الصوم والبلاد التي تخالفها في مطلع الهلال لا يجب عليهم الصوم.
واستدلوا بحديث ابن عباس أن أم هانئ رضي الله عنها بعثت كريبًا إلى الشام لحاجة فقدم الشام ثم رجع إلى المدينة فسأله ابن عباس رضي الله عنهما متى رأيتم الهلال؟ فقال: رأيناه ليلة الجمعة فصام معاوية وأمر الناس بالصيام، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت، فقال كريب لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ألا تأتم بصوم معاوية، فقال ابن عباس: لا، هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فابن عباس يرى أن معاوية له رؤية خاصة وأهل المدينة لهم رؤية خاصة.
وأيضًا يدل لهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رئي عنده الهلال ما كان يبعث إلى الأمصار فالكل له رؤية، وهو القول الراجح.
* للفائدة الشيخ عبدالله بن حميد له رسالة تبيان الأدلة في إثبات الأهلة، أثنى الشيخ خالد عليها وأوصى بقرائتها.
* رأي الحنابلة ألفوا رسالة (إيجاب الصيام ليلة الغمام) ألفها أبي يعلى نقلها النووي في المجموع ورد عليها الخطيب الشافعي، رسالة ابن الجوزي وابن عبدالهادي (مذهب الحنابلة) .
"ويصام برؤية عدل"
رؤية الهلال يشترط لها شروط:
الشرط الأول: رؤية عدل، فيفهم من كلام المؤلف أنه لا يشترط التعدد.
مسألة: هل يشترط التعدد لرؤية هلال رمضان؟
موضع خلاف.
القول الأول: الذهب والشافعي لا يشترط التعدد ويكتفى برؤية واحد.
ويدل لهذا حديث ابن عمر (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود وصححه الألباني.
وكذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن أعرابيًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنه رأى الهلال فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله، قال: نعم، فأمر بلال أن يؤذن بالناس بالصيام) ، وهو الراجح.
خلاف الحنفية الذين يقولون: أن رؤية واحد لا تكفي إذا كان في السماء عله.
"عدل"
لو كان فاسقًا لا تصح رؤيته، وهذا فيه نظر.
والصحيح: أن العدالة ليست شرطًا وأنه يشترط الأمانة فإذا كان أمينًا على خبره لم يجرب عليه الكذب فإن رؤيته صحيحة ومعتبرة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بوجود الإسلام، فلابد أن يكون مسلمًا أمينًا.
"ولو عبدًا أو أنثى"
هذا الشرط الثالث، فهل الحرية شرط أم لا؟
المؤلف يرى أن الحرية ليست شرطًا لعموم حديث ابن عمر (تراءى الناس الهلال) وهذا يشمل رؤية الرقيق والحر، وهذا من الأخبار الدينية خلاف الشافعية الذين يشترطونه.
"أو أنثى"
مسألة: هل تشترط الذكورة أو لا؟
المؤلف الذكورة ليست شرطًا خلاف الشافعية.
والصحيح: أنه يصح من أنثى لدليل ابن عمر (تراءى الناس الهلال) وهذا يشمل الذكر والأنثى.
"وإن صاموا برؤية واحد"
بقية الشهور لابد فيها اثنين ماعدا رمضان يكتفى بواحد.
ويدل لهذا حديث الحارث بن حاطب أنه قال: (عهد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا نمسك لرؤيته فإن لم نره وشهد شاهدان مسكنا برؤيتهما) .
ويدل لذلك حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا ) ).
"أو لغيم ثلاثين يومًا ولم ير الهلال لم يفطروا"
لأن الصوم إنما كان احتياطًا والأصل بقاء رمضان.