جلس الرجلان يتفاوضان الأحاديث والظلام يحجب كلًا منهما عن عيني صاحبه، فجس عمر وساد أبي الدرداء فإذا هو برذعة، وجس فراشه فإذا هو حصا، وجس دثاره - يعني لحافه - فإذا هو كساء رقيق لا يفعل شيئًا في برد الشام ... فقال له عمر: رحمك الله يا أبا الدرداء: ألم أوسع عليك؟! ألم أبعث لك؟! فقال أبو الدرداء: أتذكر يا عمر حديثًا حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: وما هو؟! قال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:"ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب"فماذا فعلنا بعده يا عمر!! فماذا فعلنا بعده يا عمر!! فبكى عمر وبكى أبو الدرداء وما زالا يتجاوبان البكاء والنحيب حتى طلع عليهما الفجر ..
فلا إله إلا الله والله أكبر .. كيف إذا جاء عمر وجاء أبو الدرداء ونظرا في أحوالنا!!! كم غيرنا!! وكم بدلنا!! وكم انفتحت الدنيا!!
ومضت الأيام قدمًا وتوفي أبو الدرداء رضي الله عنه كما هو سبيل كل حي .. فرأى عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه .. رأى فيما يراه النائم .. رأى مرجًا أخضرًا فسيح الأرجاء وارف الأفياء فيه قبة عظيمة من أدم حولها غنم رابضة لم ترَ العين مثلها قط، فقال: لمن هذه؟ فقيل: هذه لعبد الرحمن بن عوف .. فبينما هو يتأمل في حسن المرج وبهاءه إذ طلع عليه عبد الرحمن بن عوف من القبة، وقال: يا ابن مالك هذا ما أعطانا الله عز وجل على القرآن .. هذا ما أعطانا الله عز وجل على القرآن .. ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم ترَ عينيك وسمعت ما لم تسمع أذنك .. ووجدت ما لم يخطر على قلبك .. أعده الله عز وجل لمن؟! أعده الله لأبي الدرداء لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر ..
وصدق الله العظيم حين قال: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين) وصدق الله العظيم حين قال: (والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم، ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، على سرر موضونة، متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا