راحة طويلة، أما بالليل فصفوا أقدامهم في صلاتهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم: ربنا .. ربنا .. يطلبون فكاك رقابهم وصلاح قلوبهم، أما بالنهار فعلماء حلماء بررة أتقياء كأنهم القداح - يعني السهام وشبههم بالسهام لأن أجسامهم ضامرة من الصيام والقيام - يقول من ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى ووالله ما بالقوم من مرض ولكن خالط القوم أمر عظيم .. وما أحلى وما أجمل وصف الله لهم: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا) فلما وصف نهارهم كان من المناسب أن يصف ليلهم فقال: (والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا، إنها ساءت مستقرًا ومقامًا) ..
بكى أحد الصالحين عند موته فقيل له: ما يبكيك، فقال: أبكي أن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويذكر الذاكرون ولست فيهم، ويصلي المصلون لست فيهم ..
انظر على ماذا يبكون والروح منك وديعة أودعتها
وغرور دنياك التي تسعى لها والليل فاعلم والنهار كلاهما
وجميع ما حصلته وجمعته تبًا لدار لا يدوم نعيمها
ستردها بالرغم منها وتسلب دار حقيقتها متاع يذهب
أنفاسنا فيها تعد وتحسب حقًا يقينًا بعد موتك يذهب
ومشيدها عما قليل يخرب
الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له .. من اشتاق للجنة هجر الشهوات واللذات في الدنيا .. الدنيا كالحلم تمر مرّ السحاب ساعة من زمن ثم تنقضي .. ألا إنها رحلة بدأت وسوف تنتهي .. وسوف تنتهي .. هبّ الدنيا تساق إليك عفوا .. أليس مصير ذلك إلى انقضاء .. هب الدنيا تساق إليك عفوًا .. أليس مصير ذلك إلى انتقال .. ومادنياك مثل ظل أظلك حينًا ثم آذن بالزوال ..