فما ذكره أبو حامد الغزالي حيث قال أثناء ذكره للرياء الخفي ، قال: وأخفى من ذلك أن يختفي العامل بطاعته بحيث لا يريد الإطلاع ، ولا يُسرُّ بظهور طاعته . ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدأوه بالسلام ، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يثنوا عليه ، وأن ينشطوا في قضاء جوائجه ، وأن يسامحوه في البيع والشراء ، وأن يوسعوا له في المكان .. فإن قصَّر فيه مقصِّر ثقل ذلك على قلبه ، ووجد لذلك استبعادًا في نفسه كأنه يتقاضى الاحترام على الطاعة التي يفعلها ..كأنه يتقاضى الاحترام على الطاعة التي يعملها.. أخفاها عن الناس ولكنه أراد ثوابها توقيرًا واحترامًا من الناس.
وذلك أمر يوشك أن يقع فيه الكثير من الناس إلا من رحم الله.
أما ثانيها:
فهو أن يجعل الإخلاص لله وسيلة لا غاية ولا قصدًا ، فيجعل الإخلاص وسيلةً لأحد المطالب الدنيوية .
وقد نبَّه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على تلك الآفة الخفية فكان مما قال رحمه الله:
حُكي أنَّ أبا حامدٍ الغزالي بلغه أنه من أخلص لله أربعين يومًا تفجَّرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ..قال: فأخلصت أربعين يومًا فلم يتفجَّر شيء .. فأخلصت أربعين يومًا فلم يتفجَّر شيء ، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي: إنما أخلصت للحكمة ولم تخلص لله تبارك وتعالى .. إنما أخلصت لتتفجَّر الحكمة بين يديك وعلى لسانك ولم تخلص لله ربّ العالمين.
وهذا مسلك خطير كما سمعت وقليل من يتفطَّن له.
والأمثلة عليه كثيرة من الواقع .. فتجد بعض الناس يكثر من الأعمال الصالحة في أيام الاختبارات كصيام النوافل ، وقيام الليل ،وكثرة الصلاة ، والخشوع .. وقلبه منعقد على أنه إذا أكثر من العبادات سيُوفق في اختباره ، أو سيفوز بوظيفة ما ..
فهذا إنما أخلص للإختبارات والوظيفة ، وما أخلص لله ربِّ العالمين .