الصفحة 105 من 1202

الحال وإلا لكان مجازا محضا لا تضمينا، وكذا قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3] تقديره: معترفين بالغيب، انتهى.

وقال (1) ابن يعيش: الظرف منتصب على تقدير (في) وليس متضمنا معناها حتى يجب بناؤه لذلك كما وجب بناء نحو: (من) (وكم) في الاستفهام وإنما (في) محذوفة من اللفظ لضرب من التخفيف فهي في حكم المنطوق به، ألا ترى أنه يجوز ظهور (في) معه نحو: قمت اليوم وقمت في اليوم، ولا يجوز ظهور الهمزة مع (من) و (كم) في الاستفهام فلا يقال: أمن ولا أكم، وذلك من قبل أنّ (من) و (كم) لمّا تضمّنا معنى الهمزة، صارا كالمشتملين عليها. فظهور الهمزة حينئذ كالتكرار، وليس كذلك الظرف، فإن الظرفية مفهومة من تقدير (في) ولذلك يصحّ ظهورها، فاعرف الفرق بين المتضمّن للحرف وغير المتضمن مما ذكرته، انتهى.

وقال ابن إياز: معنى تضمّن الاسم معنى الحرف معه أن يؤدي ما يؤديه الحرف من المعنى ويصاغ عليه صياغة لا يظهر ذلك الحرف معه، قال ابن النحاس في (التعليقة) : الفرق بين المتضمن معنى الحرف وغير المتضمن، أن المتضمن معنى الحرف لا يجوز إظهار الحرف معه في ذلك المكان، وغير المتضمن يجوز إظهار الحرف معه في ذلك المكان، كما إذا قلنا في الظرف إنه يراد فيه معنى (في) فإنّا لا نريد به أن الظرف متضمّن معنى (في) ، كيف ولو كان كذلك لبني؟ وإنما نعني به أن قوة الكلام قوة كلام آخر فيه في ظاهره، وكذلك يجوز إظهار (في) مع الظرف، فتقول في: خرجت يوم الجمعة، خرجت في يوم الجمعة، ولا تقول في أين وكيف مثلا: هل أين ولا هل كيف ولا أكيف.

وقال ابن جنّي في (الخصائص) (2) : اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر وكان أحدهما يتعدّى بحرف والآخر بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه، إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه، وذلك كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) [البقرة: 187] وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها أو معها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنت تعدّي أفضيت بإلى كقولك: أفضيت إلى المرأة، جئت بإلى مع الرفث إيذانا وإشعارا أنه بمعناه، كما

(1) انظر شرح المفصّل (2/ 41) .

(2) انظر الخصائص (2/ 308) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت