الصفحة 330 من 1202

وذلك أن العرف والعادة إذا أريد الاقتصار على أحد الجائزين أن يكون ذلك المقتصر عليه هو أقيسهما فيه، ألا تراك تقول في تحقير أسود وجدول أسيّد وجديّل بالقلب، وتجيز من بعد الإظهار وأن تقول: أسيود، وجديول، فإذا صرت إلى باب مقام وعجوز اقتصرت على الإعلال ألبتة فقلت: مقيّم وعجيّز، فأوجبت أقوى القياسين لا أضعفهما وكذلك نظائره.

فإن قلت: فقد تقول: فيها رجل قائم، وتجيز فيه النصب، فتقول: فيها رجل قائما، فإذا قدّمت أوجبت أضعف الجائزين فكذلك أيضا يقتصر في هذه الأفعال نحو، أكرمه وأشعره على أضعف الجائزين وهو الضم.

قيل: هذا إبعاد في التشبيه وذلك أنك لم توجب النصب في (قائم) من قولك: فيها رجل قائما، و (قائما) هذا متأخر عن رجل في مكانه في حال الرفع وإنما اقتصرت على النصب فيه لما لم يجز فيه الرفع أو لم يقو، فجعلت أضعف الجائزين واجبا ضرورة لا اختيارا. وليس كذلك كرمته أكرمه لأنه لم ينقص شيء عن موضعه ولم يقدم ولم يؤخر، فلو قيل: كرمته، أكرمه لكان كشتمته أشتمه وهزمته أهزمه.

وكذلك القول في نحو قولنا: ما جاءني إلا زيدا أحد في إيجاب نصبه، وقد كان النصب لو تأخر أضعف الجائزين فيه إذا قلت: ما جاءني أحد إلا زيدا، الحال فيهما واحدة، وذلك أنك لم تجد مع تقديم المستثنى ما تبدله منه عدلت به ـ للضرورة ـ إلى النصب الذي كان جائزا فيه متأخرا. هذا كنصب (فيها قائما رجل) البتة، والجواب عنهما واحد.

وإذا كان الأمر كذلك وجب البحث عن علة مجيء هذا الباب في الصحيح كله بالضم وعلته عندي أن هذا موضع معناه الاعتلاء والغلبة، فدخله لذلك معنى الطبيعة التي تغلب ولا تغلب وتلازم ولا تفارق، وتلك الأفعال بابها: فعل يفعل، كفقه يفقه إذا أجاد الفقه، وعلم يعلم إذا أجاد العلم، وروينا عن أحمد بن يحيى عن الكوفيين: ضربت اليد يده، على وجه المبالغة.

وكذلك نعتقد نحن أيضا في الفعل المبني منه فعل التعجب أنه قد نقل عن فعل وفعل إلى فعل، حتى صارت صفة التمكن والتقدم، ثم بني منه الفعل، فقيل: ما أفعله نحو ما أشعره، إنما هو من شعر، وقد حكاها أيضا أبو زيد، وكذلك ما أقتله وأكفره: هو عندنا من قتل وكفر تقديرا، وإن لم يظهر إلى اللفظ استعمالا، فلما كان قولهم كارمني فكرمته أكرمه وبابه صائرا إلى معنى فعلت أفعل أتاه الضم من هناك فاعرفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت