الصفحة 65 من 1202

مثل ذلك بالنّقرة (1) من الفضة، فإنها كالمادة المجرّدة عن الصورة، فالفضة من حيث هي فضة لا صورة لها، فإذا صيغ منها جام أو مرآة أو قارورة، كانت تلك الصورة مادة مخصوصة فهي فرع على المادة المجرّدة، كذلك الفعل هو دليل الحدث وغيره، والمصدر دليل الحدث وحده، فبهذا يتحقّق كون الفعل فرعا لهذا الأصل.

طريقة أخرى: وهي أن نقول: الفعل يشتمل لفظه على حروف زائدة على حروف المصدر، تدلّ تلك الزيادة على معان زائدة على معنى المصدر، فكان مشتقا من المصدر كضارب ومضروب ونحوهما، ومعلوم أن ما لا زيادة فيه أصل لما فيه الزيادة.

طريقة أخرى: وهي أن المصدر لو كان مشتقا من الفعل لأدهى ذلك إلى نقض المعاني الأولى، وذلك يخلّ بالأصول.

بيانه: أن لفظ الفعل يشتمل على حروف زائدة ومعان زائدة وهي دلالة على الزمان المخصوص، وعلى الفاعل الواحد والجماعة والمؤنّث والحاضر والغائب والمصدر، يذهب ذلك كلّه إلا الدلالة على الحدث، وهذا نقض للأوضاع الأول، والاشتقاق ينبغي أن يفيد تشييد الأصول وتوسعة المعاني، وهذا عكس اشتقاق المصدر من الفعل.

قال: واحتجّ الآخرون بوجهين: أحدهما: أن المصدر يعتلّ باعتلال الفعل والاعتلال حكم تسبقه علّته، فإذا كان الاعتلال في الفعل أولا وجب أن يكون أصلا، ومثال ذلك قولك صام صياما وقام قياما، قالوا: وفي قام أصل اعتلت في الفعل فاعتلت في القيام، وأنت لا تقول: اعتلّ قام لاعتلال القيام.

والثاني: أن الفعل يعمل في المصدر كقولك: ضربته ضربا، فضربا منصوب بضربت، والعامل مؤثر في المعمول، والمؤثّر أقوى من المؤثّر فيه، والقوة تجعل القويّ أصلا لغيره.

قال: والجواب عن الأول أنه غير دالّ على قولهم، وذلك أن الاعتلال شيء يوجبه التصريف وثقل الحروف، وباب ذلك الأفعال؛ صيغها تختلف لاختلاف معانيها، فقام أصله قوم فأبدلت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فإذا ذكرت المصدر من ذلك كانت العلّة الموجبة للتغيير قائمة في المصدر وهو الثقل.

(1) النّقرة: الفضّة المذابة، أو هي القطعة المذابة من الذهب والفضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت