الصفحة 66 من 1202

وأما الوجه الثاني: فهو في غاية السقوط، وبيانه من ثلاثة أوجه، أحدها: أن العامل والمعمول من قبيل الألفاظ، والاشتقاق من قبيل المعاني، ولا يدلّ أحدهما على الآخر اشتقاقا. والثاني: أن المصادر قد تعمل عمل الفعل، كقولك: يعجبني ضرب زيد عمرا، ولا يدلّ ذلك على أنه أصل. الثالث: أن الحروف تعمل في الأسماء والأفعال، ولا يدلّ ذلك على أنها مشتقة أصلا، فضلا عن أن تكون مشتقّة من الأسماء والأفعال، انتهى.

الثالثة: قال السهيليّ (1) : فائدة اشتقاق الفعل من المصدر أن المصدر اسم كسائر الأسماء يخبر عنه كما يخبر عنها كقولك: أعجبني خروج زيد، فإذا ذكر المصدر وأخبر عنه كان الاسم الذي هو فاعل مجرورا بالإضافة والمضاف إليه تابع للمضاف، فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للمصدر لم يكن الإخبار عنه وهو مخفوض تابع في اللفظ لغيره، وحقّ المخبر عنه أن يكون مرفوعا مبدوءا به فلم يبق إلا أن يدخلوا عليه حرفا يدلّ على أنه مخبر عنه، كما تدلّ الحروف على معان في الأسماء، وهذا لو فعلوه لكان الحرف حاجزا بينه وبين الحدث في اللفظ، والحدث يستحيل انفصاله عن فاعله كما يستحيل انفصال الحركة عن محلّها، فوجب أن يكون اللفظ غير منفصل لأنه تابع للمعنى، فلم يبق إلا أن يشتقّ من لفظ الحدث لفظ يكون كالحرف في النيابة عنه دالا على معنى في غيره، ويكون متصلا اتّصال المضاف بالمضاف إليه، وهو الفعل المشتقّ من لفظ الحدث، فإنه يدلّ على الحدث بالتضمن ويدلّ على الاسم مخبرا عنه لا مضافا إليه، إذ يستحيل إضافة لفظ الفعل إلى الاسم، كاستحالة إضافة الحرف، لأن المضاف هو الشيء بعينه، والفعل ليس هو الشيء بعينه ولا يدلّ على معنى في نفسه، وإنما يدلّ على معنى في الفاعل وهو كونه مخبرا عنه.

فإن قلت: كيف لا يدلّ على معنى في نفسه وهو يدلّ على الحدث؟

قلنا: إنما يدلّ على الحدث بالتضمّن والدالّ عليه بالمطابقة هو الضرب والقتل، لا ضرب وقتل، ومن ثم وجب أن لا يضاف ولا يعرف بشيء من آلات التعريف، إذ التعريف يتعلّق بالشيء بعينه لا بلفظ يدلّ على معنى في غيره، ومن ثم وجب أن لا يثنّى ولا يجمع كالحرف، وأن يبنى كالحرف، وأن يكون عاملا في الاسم كالحرف. وإنما أعرب المضارع لأنه تضمن معنى الاسم، كما أن الاسم إذا

(1) انظر بدائع الفوائد (1/ 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت