الصفحة 67 من 1202

تضمّن معنى الحرف بني، ولما قدمناه من دلالة الفعل على معنى في الاسم وهو كون الاسم مخبرا عنه وجب أن يخلو عن ذلك الاسم مضمرا أو مظهرا بخلاف الحدث، فإنك تذكره ولا تذكر الفاعل مضمرا ولا مظهرا، والفعل لا بدّ من ذكر الفاعل بعده كما لا بدّ بعد الحرف من الاسم، فإذا ثبت المعنى في اشتقاق الفعل من المصدر وهو كونه دالا على معنى في الاسم فلا يحتاج في الأفعال الثلاثة إلا إلى صيغة واحدة، وتلك الصيغة هي لفظ الماضي، لأنه أخفّ وأشبه بلفظ الحدث، إلا أن تقوم الدلالة على اختلاف أحوال الحدث فتختلف صيغة الفعل، ألا ترى كيف لم تختلف صيغته بعد (ما) الظرفية نحو: لا أفعله ما لاح برق وما طار طائر، لأنهم يريدون الحدث مخبرا عنه على الإطلاق من غير تعرّض لزمن، ولا حال من أحوال الحدث، فاقتصروا على صيغة واحدة وهي أخفّ أبنية الفعل، وكذلك فعلوا بعد التسوية نحو: سواء عليّ أقمت أم قعدت، لأنه أريد التسوية بين القيام والقعود من غير تقييد بوقت ولا حال، فلذلك لم يحتج إلا إلى صيغة واحدة وهي صيغة الماضي، فالحدث إذا على ثلاثة أضرب:

ـ ضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله وإلى اختلاف أحوال الحدث، فيشتقّ منه الفعل دلالة على كون الفاعل مخبرا عنه، وتختلف أبنيته دلالة على اختلاف أحوال الحدث.

ـ وضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله على الإطلاق من غير تقييد بوقت ولا حال، فيشتقّ منه الفعل، ولا تختلف أبنيته.

ـ وضرب لا يحتاج إلى الإخبار عن فاعله، لكن يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق مضافا إلى ما بعده نحو: (سبحان الله) فإنه ينبئ عن العظمة والتنزيه، فوقع القصد إلى ذكره مجرّدا من التقييدات بالزمان أو بالأحوال، ولذلك وجب نصبه، كما يجب نصب كلّ مقصود إليه بالذّكر، نحو: إياك وويله وويحه، وهما مصدران لم يشتقّ منهما فعل، حيث لم يحتج إلى الإخبار عن فاعلهما ولا إلى تخصيصهما بزمن ونصبهما كنصبه لأنه مقصود إليه.

ومما انتصب لأنه مقصود إليه بالذكر: (زيدا ضربته) في قول شيخنا أبي الحسين (1) وغيره من النحويين، وكذلك: زيدا ضربت ـ بلا ضمير ـ لا يجعله معمولا مقدّما، لأن المعمول لا يتقدّم على عامله، وهو مذهب قويّ، ولكن لا يبعد

(1) هو ابن الطّراوة صاحب كتاب (الترشيح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت