الصفحة 857 من 1202

كافي الكفاة)، فكنّا إذا قرأنا أوراقا منه تجارينا في فنون الأدب، واجتنينا من فوائده ثمار الألباب، ورتعنا في رياض ألفاظه ومعانيه، والتقطنا الدّرّ المنثور من سقاط فيه، فأجرى يوما بعض الحاضرين ذكر الأصمعي وأسرف في الثّناء عليه، وفضّله على أعيان العلماء في أيّامه، فرأيت ـ رحمه الله ـ كالمنكر لما كان يورده، وكان فيما ذكر من محاسنه ونشر من فضائله أن قال: من ذا الذي يجسر أن يخطّئ الفحول من الشعراء غيره؟ فقال أبو علي: وما الذي ردّ عليهم؟ فقال الرجل: أنكر على ذي الرّمّة مع إحاطته بلغة العرب ومعانيها، وفضل معرفته باغراضها ومراميها، وأنّه سلك نهج الأوائل في وصف المفاوز إذا لعب السراب فيها، ورقص الآل في نواحيها، ونعت الحرباء وقد سنح على جذله، والظّليم وكيف ينفر من ظلّه، وذكر الرّكب وقد مالت طلاهم من غلبة المنام حتى كأنّهم صرعتهم كؤوس المدام، فطبّق مفصل الإصابة في كلّ باب، وساوى الصّدر الأوّل من أرباب الفصاحة، وجارى القروم البزّل من أصحاب البلاغة، فقال له أبو علي: وما الذي أنكر على ذي الرّمّة؟ فقال: قوله: [الطويل]

561 ـ وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم ... [وكيف بتكليم الديار البلاقع]

لأنه كان يجب أن ينوّنه، فقال: أمّا هذا فالأصمعي مخطئ فيه وذو الرّمّة مصيب، والعجب أنّ يعقوب بن السّكّيت قد وقع عليه هذا السّهو في بعض ما أنشده، فقلت: إن رأى الشيخ أن يصدع لنا بجليّة هذا الخطأ تفضّل به، فأملى علينا: أنشد ابن السكيت لأعرابيّ من بني أسد: [الوافر]

562 ـ وقائلة أسيت فقلت: جير ... أسيّ إنّني من ذاك إنّه ...

أصابهم الحمى وهم عواف ... وكنّ عليهم نحسا لعنّه ...

فجئت قبورهم بدأ ولمّا ... فناديت القبور ولم يجبنه ...

وكيف تجيب أصداء وهام ... وأبدان بدرن وما نخرنه

561 ـ الشاهد لذي الرمة في ديوانه (ص 778) ، وإصلاح المنطق (ص 291) . وتذكرة النحاة (ص 658) ، وخزانة الأدب (6/ 208) ، ورصف المباني (ص 344) ، وسرّ صناعة الإعراب (2/ 494) ، وشرح المفصّل (4/ 31) ، ولسان العرب (أيه) ، وتاج العروس (أيه) ، وما ينصرف وما لا ينصرف (ص 109) ، ومجالس ثعلب (ص 275) ، وكتاب العين (4/ 104) ، وبلا نسبة في خزانة الأدب (6/ 237) ، والمقتضب (3/ 179) ، والمخصّص (14/ 81) .

562 ـ البيت الأول بلا نسبة في اللسان (أس) ، والجنى الداني (ص 435) ، وهمع الهوامع (2/ 72) ، والدرر (2/ 89) ، والبيت الثالث بلا نسبة في المغني (ص 310) ، والأبيات الأربعة في الدرر (2/ 52) ، بلا نسبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت