الصفحة 861 من 1202

وقال: أبلغت يا كسائي إلى هذا؟ ثم قال لأبي يوسف: أجبه، فقال الكسائي: ما تقول لرجل قال لامرأته: «أنت طالق إن دخلت الدار» ؟ فقال أبو يوسف: إذا دخلت الدار طلقت، فقال الكسائي: خطأ، إذا فتحت أن فقد وجب الأمر، وإذا كسرت فإنه لم يقع بعد فنظر أبو يوسف بعد ذلك في النحو.

وحدّث أيضا عمّن سمع الكسائي يقول: اجتمعت أنا وأبو يوسف القاضي عند هارون الرشيد، فجعل أبو يوسف يذمّ النحو ويقول: ما النحو؟ فقلت وأردت أن أعلّمه فضل النحو: ما تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتل غلامك؟ وقال له آخر: أنا قاتل غلامك، أيّهما كنت تأخذ به؟ قال: آخذهما جميعا، فقال له هارون: أخطأت، وكان له علم بالعربية، فاستحيى وقال: كيف ذلك؟ فقال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال: أنا قاتل غلامك، بلا إضافة فإنّه لا يؤخذ لأنّه مستقبل لم يكن بعد، كما قال الله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [الكهف: 24] ، فلولا أنّ التنوين مستقبل ما جاز فيه غدا، فكان أبو يوسف بعد ذلك يمدح العربية والنحو.

قال أبو عبد الله بن مقلة (1) : حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد، وكانا معه يقيمان بمقامه ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي: [البسيط]

567 ـ أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن

فقال الأصمعي: رئمان بالرفع، فقال له الكسائي: اسكت، ما أنت وهذا؟ يجوز رئمان ورئمان ورئمان، ول يكن الأصمعي صاحب عربيّة، فسألت أبا العباس كيف جاز ذلك؟ فقال: إذا رفع رفع ب ينفع، أي: أم كيف ينفع رئمان أنف، وإذا نصب نصب بتعطي، وإذا جرّ جرّ بردّه على الهاء في به، قال: والمعنى: وما ينفعني إذا وعدتني بلسانك ثم لم تصدّقه بفعلك؟ يقال ذلك للّذي يبرّ ولا يكون منه نفع كهذه الناقة تشمّ بأنفها مع تمنّع درّتها، والعلوق: التي علق عليها ولدها، وذلك أنّه

(1) انظر معجم الأدباء (13/ 173) ، وأمالي ابن الشجري (1/ 37) .

567 ـ الشاهد لأفنون التغلبي في خزانة الأدب (11/ 139) ، والدرر (6/ 111) ، وشرح اختيارات المفضّل (ص 1164) ، وشرح شواهد المغني (1/ 144) ، ولسان العرب (علق) ، وبلا نسبة في الاشتقاق (ص 259) ، وجمهرة اللغة (ص 322) ، وخزانة الأدب (11/ 288) ، والخصائص (2/ 184) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص 418) ، وشرح المفصل (4/ 18) ، ولسان العرب (رأم) ، والمحتسب (1/ 235) ، مغني اللبيب (1/ 45) ، وهمع الهوامع (2/ 133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت