الصفحة 862 من 1202

نحر عنها، ثم حشي جلده تبنا أو حشيشا وجعل بين يديها حتى تشمّه وتدرّ عليه، فهي تسكن إليه مرّة ثم تنفر عنه ثانية، تشمّه بأنفها ثم تأباه بقلبها، فيقول: فما ينفع من هذا البوّ إذا تشمّمته ثم منعت درّتها؟.

وحدّث المرزبانيّ عن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب قال: سأل اليزيدي الكسائي بحضرة الرشيد فقال: انظر، في هذا الشعر عيب وأنشده: [مجزوء الرمل]

568 ـ ما رأينا خربا نق ... قر عنه البيض صقر ...

لا يكون العير مهرا ... لا يكون المهر مهر

فقال الكسائي: قد أقوى الشاعر، فقال له اليزيدي: انظر فيه، فقال: أقوى، لا بدّ أن ينصب المهر الثاني على أنّه خبر (كان) ، فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، الشعر صواب، إنّما ابتدأ فقال: المهر مهر، فقال له يحيى بن خالد: أتتكنّى بحضرة أمير المؤمنين وتكشف رأسك؟ والله لخطأ الكسائي مع أدبه أحبّ إلينا من صوابك مع سوء فعلك، فقال: لذّة الغلبة أنستني من هذا ما أحسن. انتهى.

وفي (طبقات الكمال) لابن الأنباري (2) : قال الدّوريّ: كان أبو يوسف يقع في الكسائي ويقول: أيّ شيء يحسن؟ إنما يحسن شيئا من كلام العرب، فبلغ ذلك الكسائي، فالتقيا عند الرشيد، وكان الرشيد يعظّم الكسائي لتأديبه إيّاه، فقال لأبي يوسف: أيش تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق طالق طالق؟ قال: واحدة، قال: فإن قال لها: «أنت طالق أو طالق أو طالق» ، قال: واحدة، قال فإن قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق؟ قال: واحدة، قال فإن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق؟ قال واحدة، قال الكسائي: يا أمير المؤمنين أخطأ يعقوب في اثنتين وأصاب في اثنتين، أمّا قوله: أنت طالق طالق طالق فواحدة، لأنّ الثّنتين الباقيتين تأكيد، كما تقول: أنت قائم قائم قائم، وأنت كريم كريم كريم، وأمّا قوله: أنت طالق أو طالق أو طالق فهذا شك، وقعت الأولى التي تتيقّنّ، وأما قوله: أنت طالق ثم طالق ثم طالق فثلاث لأنه نسق، وكذلك قوله: أنت طالق وطالق وطالق.

وقال ياقوت (3) : قرأت بخط أبي سعيد عبد الرحمن بن علي اليزدادي اللغويّ

568 ـ انظر مجالس العلماء (ص 255) ، والغيث المسجم (2/ 143) ، معجم الأدباء (4/ 92) .

(1) انظر نزهة الألباء (ص 73) .

(2) انظر معجم الأدباء (13/ 194) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت