الصفحة 248 من 1671

الأبد فارقناه، وذكرت اجتيازك بين العلمين، وقطعك متن اليمّ في يومين، وأنّك انتقلت من ذوات الألواح، إلى عذبات الأدواح، ومن متهافت الشّراع، إلى منابت اليراع، ومن سكنى بيت السكان، إلى منزل به الفلاح والملاح يشتركان، حيث اجتمع الضّبّ والنون، وأينع التين والزيتون، وظلّلت الساحات، وذلّلت الثمار المباحات، فلا تشرقنا يا أصيل، ولأمّ تلك الأرض الويل، انتهى.

ووصل هذا الكلام بالأبيات التي تقدّمت قريبا، وهي قوله «زدنا على النائين عن أوطانهم إلخ» .

وكتب رحمه الله عن أهل شاطبة أيام كان قاضيا بها، مهنّئا أمير المسلمين ابن هود المستولي على الأندلس آخر دولة الموحّدين بوصول الكتاب العباسي الكريم إليه من بغداد بولاية الأندلس، إذ كان ابن هود حين ثار على الموحدين يدعو إلى الخليفة العباسي الذي كان أكثر الملوك في ذلك الزمان يدينون بطاعته، بما نصّه بعد الصدر:

أمّا بعد، فكتب العبيد ـ كتب الله تعالى إلى المقام (1) العلي المجاهدي المتوكلي سعادة لا تبلغ أمدا إلّا تخطّته! ويدا علوّها أثبتته أيدي الأقدار وخطّته ـ من شاطبة وبركات الأمر المجاهديّ المتوكلي، والعهد الواثقي المعتصمي، تنسكب كالمطر، وتنسحب على البشر، وتقضي بعادة النصر والظفر، وسعادة الورد والصّدر (2) ، والحمد لله، وعند العبيد من أداء فروض الخدم، والقيام بحقوق النّعم، ما عقدت عليه ضمائرهم، وسمت إليه نواظرهم، واشترك فيه بادبهم وحاضرهم، فجناب أملهم فسيح، ومتجر خدمتهم ربيح، وحديث طاعتهم حسن صحيح، وبسنى النظر العليّ اهتداؤهم، وفي الباب الكريم رجاؤهم، وبصدق العبودية اعتزازهم وإليها اعتزاؤهم (3) ، والله تعالى ينهضهم بوظائف المثابة العلية، ويحملهم على المناهج السّويّة، ووصل الكتاب الكريم متحلّيا برواء الحق، ناطقا بلسان الصدق، واصفا من التشريف والفخار المنيف، ما صدر عن إمام الخلق، فلا بيان أعجب من ذلك البيان، ولا يوم كذلك اليوم تبدّى نظره للعيان، أو تأدّى خبره في أخبار الزمان، نثرت فيه الخلع العباسية في أعلى الصور، وبرز منها للعيون ما يعثر البليغ عند وصفه في ذيل الحصر، ويهدي سواده سواد القلب والبصر، فيا لمشهدها ما أعجب ما كان، ومرآها الذي راع الكفر وراق الإيمان، وأشبه

(1) في ب: للمقام.

(2) الصّدر: بفتح الصاد والدال: الرجوع عن الماء بعد وروده.

(3) اعتزاؤهم: انتسابهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت