الصفحة 266 من 1671

ونادى في الحين بالجهاد والاستعداد، فخرج بعد ثلاث إلى وادي الحجارة ومعه الشاعر، وسأل عن الخيل التي أغارت من أيّ أرض العدوّ كانت، فأعلم بذلك، فغزا تلك الناحية وأثخن فيها، وفتح الحصون، وخرّب الديار، وقتل عددا كثيرا، وجاء إلى وادي الحجارة فأمر بإحضار المرأة وجميع من أسر له أحد في تلك البلاد، فأحضر، فأمر بضرب رقاب الأسرى بحضرتها، وقال للعباس: سلها: هل أغاثها الحكم؟ فقالت المرأة، وكانت نبيلة: والله لقد شفى الصدور، وأنكى العدوّ، وأغاث الملهوف، فأغاثه الله، وأعزّ نصره! فارتاح لقولها، وبدا السرور في وجهه وقال: [الطويل]

ألم تر يا عباس، أنّي أجبتها ... على البعد أقتاد الخميس المظفّرا (1) ...

فأدركت أوطارا وبرّدت غلّة ... ونفّست مكروبا وأغنيت معسرا

فقال عباس: نعم، جزاك الله خيرا عن المسلمين! وقبّل يده.

وممّا عيب به أنه قتل الفقيه أبا زكريا يحيى بن مضر القيسي، وكان قدوة في الدين والورع، سمع من سفيان ومالك بن أنس، وروى عنه مالك وقال: حدّثنا يحيى بن مضر عن سفيان الثّوري أن الطّلح المنضود هو الموز، وكان قتل المذكور مع جماعة من العلماء وغيرهم.

وقال بأمره من بعده ابنه عبد الرحمن، بعهد منه إليه، ثم لأخيه المغيرة بعده، فغزا عبد الرحمن لأول ولايته إلى جلّيقيّة وأبعد، وأطال المغيب، وأثخن في أمم النصرانية هنالك، ورجع.

وقدم عليه سنة ست ومائتين زرياب المغني من العراق، وهو مولى المهدي ومتعلّم إبراهيم الموصلي، واسمه علي بن نافع، فركب بنفسه لتلقّيه، على ما حكاه ابن خلدون، وبالغ في إكرامه، وأقام عنده بخير حال، وأورث صناعة الغناء بالأندلس وخلّف أولادا فخلفه كبيرهم عبد الرحمن في صناعته وحظوته.

وفي سنة ثمان (2) أغزى حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع، فخرّب

(1) الخميس: الحبيش الكثير العدد.

(2) كان مقتله ومقتلهم في معركة الربض (انظر ابن خلدون 4: 126) وأبو زكريا يحيى بن مضر القبسي هو: من فقهاء الأندلس والشهورين في الدين والورع. أخذ عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وأخذ عنه في الأندلس يحيى بن يحيى الليثي (انظر وفيات الأعيان 6: 143) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت