بلى فارقت أيكها ناعما ... رطيبا وأغصانها نضّرا ...
وجاءتك معتاضة إذ أتتك ... بأكرم من عودها عنصرا ...
بعود ترى فيه ماء النّدى ... ويورق من قبل أن يثمرا ...
هديّة من لو غدت نفسه ... هديّته ظنّه قصّرا
وقال ابن سعيد: وأخبرني والدي قال: أخبرني الوشّاح المبرّز المحسن أبو الحسن المريني (1) قال: بينما أنا أشرب مع ندماني بإزاء الرّصافة، إذا بإنسان رثّ الهيئة، مجفوّ الطلعة، قد جاء فجلس معنا، فقلنا له: ما هذا الإقدام على الجلوس معنا دون سابق معرفة؟ فقال: لا تعجلوا عليّ، ثم فكر قليلا ورفع رأسه فأنشدنا: [الخفيف]
اسقنيها إزاء قصر الرّصافه ... واعتبر في مآل أمر الخلافه ...
وانظر الأفق كيف بدّل أرضا ... كي يطيل اللّبيب فيه اعترافه ...
ويرى أنّ كلّ ما هو فيه ... من نعيم وعزّ أمر سخافه ...
كلّ شيء رأيته غير شيء ... ما خلا لذّة الهوى والسّلافه
قال المرينيّ: فقبلت رأسه، وقلت له: بالله من تكون؟ فقال: قاسم بن عبّود الرّياحيّ، الذي يزعم الناس أنه موسوس أحمق، قال: فقلت له: ما هذا شعر أحمق! وإن العقلاء لتعجز عنه، فبالله إلا ما تممت مسرتنا بمؤانستك ومنادمتك ومناشدة طرف أشعارك، فنادم وأنشد، وما زلنا معه في طيبة عيش إلى أن ودعناه وهو يتلاطم مع الحيطان سكرا، ويقول: اللهم غفرا. انتهى قال: ومن قصور (2) خارج قرطبة قصر السيّد أبي يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن، وهو على متن النهر الأعظم، تحمله أقواس، وقيل للسيّد: كيف تأنقت في بنيان هذا القصر مع انحرافك عن أهل قرطبة؟ فقال: علمت أنهم لا يذكرون واليا بعد عزله ولا له عندهم قدر؛ لما بقي في رؤوسهم من الخلافة المروانية، فأحببت أن يبقى لي في بلادهم أثر أذكر به على رغمهم.
قال ابن سعيد: وأخبرني والدي أن ناهض بن إدريس شاعر وادي آش في عصره أنشده لنفسه في هذا القصر: [الطويل]
(1) هو أبو الحسن علي بن المريني، وهو شاعر توفي زمن منصور بني عبد المؤمن (انظر المغرب ج 2 ص 213) .
(2) في ب: ومن أبدع قصور.