الصفحة 393 من 1671

قريب وبعيد عن وعد ووعيد، ورحلنا وفضل الله شامل، والتوكل عليه كاف كافل، وخيّمنا بظاهر الحضرة حتى استوفى الناس آرابهم، واستكملوا أسرابهم، ودسنا منهم بلاد النصارى بجموع كثرها الله وله الحمد وأنماها، وأبعد في التماس ما عنده من الأجر منتماها، وعندما حللنا قاشرة (1) وجدنا السلطان دون بطره مؤمل نصرنا وإنجادنا، ومستعيد حظه من مواقع (2) جهادنا، ومقتضى دين كدحه بإعانتنا إياه وإنجادنا، قد نزل بظاهرها في محلات ممن استقر على دعوته، وتمسك بطاعته، وشمله حكم جماعته، فكان لقاؤنا إياه على حال أقرّت عيون المسلمين، وتكفلت بإعزاز الدين، ومجملها يغني عن التعيين، والشرح والتبيين، ورأى هو ومن معه من وفور جيش الله ما هالهم، وأشك في حال اليقظة خيالهم، من جموع تسدّ الفضا، وأبطال تنازع أسد الغضى (3) ، وكتائب منصورة، ورايات منشورة، وأمم محشورة، تفضل عن مرأى العين، وتردي العدوّ في مهاوي الحين (4) ، فاعترفوا بما لم يكن في حسابهم، واعتبر في عزة الله سبحانه أولو ألبابهم، وإذا كثّر الله تعالى العدد نما وزكا، وإذا أزاح العلل ما اعتذر غاز ولا شكا، وسالت من الغد الأباطح بالأعراف، وسمت الهوى (5) إلى الاستشراف، وأخذ الترتيب حقه من المواسط الجهادية والأطراف، وأحكمت التعبية التي لا ترى العين فيها خللا، ولا يجد الاعتبار (6) عندها دخلا، وكان النزول على فرسخ من عدوة النهر الأعظم من خارج المدينة أنجز الله تعالى وعد دمارها، وأعادها إلى عهدها في الإسلام وشعارها، ومحا ظلام الكفر من آفاقها بملة الإسلام وأنوارها، وقد برزت من حاميتها شوكة سابغة الدروع، وافرة الجموع، واستجنّت (7) من أسوار القنطرة العظمى بحمى لا يخفر، وأخذ أعقابها من الحماة والكماة العدد الأوفر، فبادر إليهم سرعان خيل المسلمين فصدقوهم الدفاع والقراع، والمصال والمصاع، وخالطوهم هبرا بالسيوف، ومباكرة بالحتوف، فتركوهم حصيدا، وأذاقوهم وبالا شديدا، وجدّلوا منهم جملة وافرة، وأمة كافرة، وملكوا بعض تلك الأسوار فارتفعت بها راياتهم الخافقة، وظهرت عليها عزماتهم الصادقة، واقتحم المسلمون الوادي سيما (8) في غمره، واستهانة في سبيل الله بأمره، وخالطوا حامية العدو في ضفته فاقتلعوها، وتعلّقوا بأوائل الأسوار ففرعوها، فلو كنا في ذلك اليوم على عزم من القتال، وتيسير الآلات وترتيب الرجال،

(1) قاشرة: من أحواز لبلة بالأندلس.

(2) في ب: لواحق جهادنا.

(3) في ه، ب: وأبطال تقارع أسود الغضى.

(4) الحين، بفتح الحاء: الهلاك.

(5) في ب: الهوادي.

(6) في ه: ولا يجد الاختيار.

(7) استجنّت: اتخذت جنة وحافظا ودرعا.

(8) في ب: سبحا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت