فهرس الكتاب
لدخل البلد، وملك الأهل والولد، لكن أجار الكفار من الليل كافر (1) ، وقد هلك منهم عدد وافر، ورجع المسلمون إلى محلاتهم ونصر الله سافر (2) ، والعزم ظافر، ومن الغد خضنا البحر الذي جعلنا العزم فيه سفينا، والتوكل على الله للبلاغ ضمينا، ونزلنا من ضفّته القصوى منزلا عزيزا مكينا، بحيث يجاور سورها طنب القباب، وتصيب دورها من بين الخيمات (3) بوارق النّشاب، وبرزت حاميتها على متعددات الأبواب، مقيمة أسواق الطعان والضّراب، فآبت بصفقة الخسر والتباب (4) ، ولما شرعنا في قتلها، ورتبنا أشتات النّكايات لنكالها، وإن كنا لم نبق على مطاولة نزالها، أنزل الله المطر الذي قدم بعهاده العهد، وساوى النجد من طوفانه الوهد، وعظم به الجهد، ووقع الإبقاء على السلاح، والكفّ بالضرورة عن الكفاح، وبلغ المقام عليها، والأخذ بمخنّقها والثّواء لديها، خمسة أيام لم تخل فيها الأسوار من اقتراع، ولا الأبواب من دفاع عليها وقراع، وأنفذت مقاتل الستائر أنقابا، وارتقب الفتح الموعود ارتقابا، وفشت في أهلها الجراح والعيث الصّراح، وساءهم المساء بعزة الله والصّباح، ولو لا عائق المطر لكان الإجهاز والاستفتاح، والله بعدها الفتّاح، وصرفت الوجوه إلى تخريب العمران، وتسليط النيران، وعقر الأشجار، وتعفية الآثار، وأتى منها العفاء على المصر الشهير في الأمصار، وتركت زروعها المائحة عبرة لأولي الأبصار، ورحلنا عنها وقد ألبسها الدخان حدادا، ونكس من طغاتها أجيادا فاعتادت الذلّ اعتيادا، وألفت الهون قيادا، وكادت أن تستباح عنوة لو لا أن الله تعالى جعل لها ميعادا، وأتى القتل من أبطالها، ومشاهير رجالها، ممن يبارز ويناطح، ويماسي بالناس ويصابح، على عدد جمّ أخبرت سيماهم المشهورة بأسمائهم، ونبهت علاماتهم على نباهاتهم (5) ، وظهر إقدام المسلمين في المعتركات، وبروزهم (6) بالحدود المشتركات، وتنفيلهم الأسلاب، وقودهم الخيل المسوّمة قود الغلاب، وكان القفول، وقد شمل الأمن والقبول، وحصل الجهاد المقبول، وراع الكفر العزّ الذي يهول (7) ، والإقدام الذي شهدت به الرماح والخيول، وخاض المسلمون من زرع الطرق التي ركبوها، والمنازل التي استباحوها وانتهبوها، بحورا بعد منها الساحل، وفلاحة مدركة تتعدد فيها المراحل، فصيروها صريما (8) ، وسلطوا عليها النار غريما، وحلوا بظاهر حصن أندوجر (9) وقد أصبح مألف أذمار
(1) الليل الكافر: الأسود المعتم.
(2) السافر: الظاهر البادي.
(3) في ب، ه: المخيمات.
(4) التباب: الهلاك.
(5) في ب: علاماتها على نبهائهم.
(6) في ه: وبذرهم.
(7) يهول: يفزع ويخيف.
(8) الصريم: أراد الأرض التي لا نبات فيها.
(9) أندوجر: حصن قريب من قرطبة على نهر الوادي الكبير.