الصفحة 398 من 1671

إلى اليراع (1) ، ونفرده فيه بالاجتماع، وما يتعاطاه من منّة الذراع (2) ، وأن نشدّ بردء من المشافهة أزره، ونعضد بمعين من اللسان أمره، فعيّنّا لذلك من يفسّر منه المجمل ويمهد المقصد المعمل، حتى يجمع بين أغراض البر، والعلن منه والسر، ويقيم شتّى الأدلة على الوداد المستقر، ووجّهنا في غرض الرسالة به إليكم، واخترنا لشرحة بين يديكم، خطيب الوفود، وبركة المشايخ في هذا المقام المحمود، الشيخ الجليل الشهير الكبير الصالح الفاضل أبا البركات ابن الحجاج (3) ـ وصل الله حفظه! ـ وأجزل من الحمد واللطف حظّه! ـ وهو البطل الذي لا يعلّم الإجالة في الميدان ولا يبصّر بوظائف ذلك الشان، ومرادنا منه أن يطيل ويطيب، ويجيل في وصف محاسنكم اللسان الرّطيب، ويقرر ما عندنا لمقامكم من التشيع الذي قام على الحب المتوارث أساسه، واطرد حكمه وأنتج قياسه، وليجعل تلو مقصد الهناء، بمجلسكم الباهر السناء، الصارف إلى الجهاد في سبيل الله والفناء، وجه التهمّم والاعتناء، على مر الآناء، ما تجدد لدينا من الأنباء في جهاد الأعداء، وإن كان رسولكم ـ أعزه الله تعالى! ـ قد شارك في السرى والسير ويمن الطّير، وأغنى في الحكاية عن الغير، فلا سرف في الخير، وهو أننا لما انصرفنا من منازلة قرطبة نظرا للحشود التي نفدت معدّات أزوادها، وشابت بهشيم الغلّة المستغلّة مفارق بلادها، وإشفاقا لفساد أقواتها، بفوات أوقاتها، رحلنا عنها وقد انطوينا من إعفاء أكثر تلك الزروع، المائلة الفروع، الهائلة الروع، على همّ ممض، وأسف للمضاجع مقضّ، إذ كان عاذل المطر يكف ألسنة النار عن المبالغة في التهابها، وحلاق إهابها، ونفض أغوارها، ونهب شوارها، وإذاعة أسرارها، وهي البحور المتلاطمة، إذا حطمتها الرياح الحاطمة، واللجج الزاخرة، إذا حركتها السوافي الماخرة، تود العيون أن تتحدى حدودها القاصية فلا تطيق، والركائب الراكضة أن تشرف على غايتها فيفضل عن مراحلها الطريق، قد جللها الربيع أرزاقا تغص بها الخزائن والأطباق، وحبوبا مفضلة لا يرزؤها الإنفاد والإنفاق، ولو اعتصت على انتسافها الآفاق، فخففنا في سبيل الله غزو تلك الأقطار المخالفة، بمحق الصائفة، وإعانة تلك الطائفة، بكلوم المجاع الجائفة (4) ، خفوفا لم نقنع فيه بالاستنابة، حرصا على استئصال الصّبابة، وأعفينا الرجل من اتصال الكد، وقابلنا قبولهم على استصحابنا فيها

(1) اليراع: القلم.

(2) منة الذراع: قوته.

(3) هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن خلف أبو البركات السلمي البلفيقي قاضي الجماعة بغرناطة، إمام صالح أديب عالم. ولد سنة 680 ه‍. ونشأ بالمرية وقرأ القراءات بالأندلس وتوفي في سنة 770 ه‍. (غاية النهاية في طبقات القراء ج 2 ص 245 ـ 236 وتاريخ قضاة الأندلس ص 164) .

(4) الجائفة: النافذة إلى الجوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت