الصفحة 399 من 1671

بالرد، وأطللنا على قرطبة بمحلاتنا ننسف الجبال نسفا (1) ، ونعم الأرض زلزالا وخسفا، ونستقري مواقع البذر احتراقا، ونخترق أجوابها المختلفة (2) بحب الحصيد اختراقا، ونسلط عليها من شرر النار أمثال الجمالات الصفر مدت من الشّواظ أعناقا (3) ، ونوسع القرى الواسعة قتلا واسترقاقا، وندير على مستديرها كؤوس الحتوف دهاقا (4) ، وأخذت النيران واديها الأعظم من كلا جانبيه حتى كأن العيون أحمت سبيكته فاستحالت، وأذابت صفيحته فسالت، وأتت الكفار سماؤهم بالدخان المبين، وصارت الشمس من بعد سفورها وعموم نورها منقبة المحيّا (5) معصبة الجبين، وخضنا أحشاء الغريرة (6) نعمّ أشتات النّعم انتسافا، وأقوات أهلها إتلافا، وآمال سكانها إخلافا، وقد بهتوا لسرعة الرجوع، ودهشوا لوقوع الجوع وتسبيب تخريب الربوع، فمن المنكر البعيد، أن يتأتى بعد عمرانها المعهود، وقد اصطلم الزرع واجتثّ العود، وصار إلى العدم منها الوجود، ورأوا من عزائم الإسلام خوارق تشذ عن نطاق العوائد، وعجائب تستريب فيها عين المشاهد، إذ اشتمل هذا العام، المتعرف فيه من الله تعالى الإنعام، على غزوات أربع دمرت فيها القواعد الشهيرة تدميرا، وعلا فوق مراقيها الأذان عزيزا جهيرا، وضويقت كراسيّ الملك تضييقا كبيرا، وأذيقت وبالا مبيرا، ورياح الإدالة إن شاء الله تعالى تستأنف هبوبا، وبأسا مشبوبا، والثقة بالله قد ملأت نفوسا مؤمنة وقلوبا، والله سبحانه المسؤول أن يوزع شكر هذه النعم التي أثقلت الأكتاد، وأبهظت الطّوق المعتاد، وأبهجت المسيم والمرتاد (7) ، فبالشكر يستدر فريدها (8) ، ويتوالى تجديدها، وقطعنا في بحبوحة تلك العمالة المستبحرة العمارة، والفلج المغني وصفها عن الشرح والعبارة، مراحل ختمنا بالتعريج على حرب جيّان حربها، ففللنا ثانية غربها وجدّدنا كربها واستوعبنا حرقها وخربها، ونظمنا البلاد في سلك البلاء، وحثثنا في إنجادها وأغوارها ركائب الاستيلاء، فلم نترك بها ملقط طير، فضلا عن معاف عير، ولا أسأرنا لفلها المحروب بلالة خير، وقفلنا وقد تركنا بلاد النصارى التي منها لكيادنا المدد، والعدّة والعدد، وفيها الخصام واللّدد، قد لبست الحداد حريقا، وسلكت إلى الخلاء والجلاء طريقا، ولم نترك لها مضيفة؟؟؟ تخالط ريقا، ولا نعمة تصون من الفراق فريقا، وما كانت تلك النعم لو لا أن أعان الله تعالى من عنصري النار والهواء بجنود كونه الواسع، ومدركه البعيد الشاسع، لتتولى الأيدي البشرية تغريبها ولا ترزأ كثيرها، ولا لتمتاح بالاغتراف غديرها، بل لله القدرة جميعا، فقدرته لا تتحامى ريعا ولا

(1) في ب، ه: ننسف جبال النعم نسفا.

(2) في ج: المحترقة.

(3) الشواظ: اللهب الذي لا دخان فيه.

(4) دهاقا: ملأى.

(5) منقبة المحيا: لابسة النقاب.

(6) في ب، ه: الغرنتيرة.

(7) في ج: المشيم.

(8) في ب: مزيدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت