الصفحة 400 من 1671

حمى مريعا منيعا، وعدنا والعود في مثلها أحمد، وقد بعد من شفاء النفوس الأمد، ونسخ بالسرور الكمد، ورفعت من عز الإسلام العمد، والحمد لله حمد الشاكرين، ومنه نلتمس عادة النصر على أعدائه فهو خير الناصرين، عرفناكم به ليسر دينكم المتين، ومجدكم الذي راق منه الجبين، والله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويبلغكم أملكم من فضله، وقصدكم بمنه وطوله (1) ، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته، انتهى.

رجع إلى ما كنا بسبيله من أخبار قرطبة الجليلة الوصف، وذكر جامعها البديع الإتقان والرصف، فنقول:

قد شاع وذاع على ألسنة الجم الغفير من الناس في هذه البلاد المشرقية وغيرها أن في جامع قرطبة ثلاثمائة ونحو ستين طاقا، على عدد أيام السنة، وأن الشمس تدخل كل يوم من طاق، إلى أن يتم الدور ثم تعود، وهذا شيء لم أقف عليه في كلام المؤرخين من أهل المغرب والأندلس، ولو كان كما شاع لذكروه وتعرضوا له، لأنه من أعجب ما يسطر، مع أنهم ذكروا ما هو دونه، فالله أعلم بحقيقة الحال في ذلك، وستأتي في الباب السابع رسالة الشقندي الطويلة وفيها من محاسن قرطبة وسائر بلاد الأندلس الطّم والرّم (2) ، وقد ذكرنا في الباب الأول جملة من محاسن قرطبة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، على أن رسالة الشّقندي تكرر فيها بعض ما ذكرناه، لأنا لم نرد أن نخل منها بحرف، فأتينا بها بلفظها، وإن تكرر بعض ما فيها مع بعض ما أسلفناه، والعذر واضح للمنصف المغضي، والله نسأل سلوك السبيل الذي يرضي، بمنه وكرمه.

وقال صاحب «نشق الأزهار» : إن في جامع قرطبة تنّورا من نحاس أصفر يحمل ألف مصباح، وفيه أشياء غريبة، من الصنائع العجيبة، يعجز عن وصفها الواصفون، قيل: أحكم عمله في سبع سنين، وفيه ثلاثة أعمدة من رخام أحمر، مكتوب على الواحد اسم محمد، وعلى الآخر صورة عصا موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح عليه الصلاة والسلام، الثلاثة خلقها الله تعالى ولم يصنعها صانع، انتهى.

قلت: لم أر أحدا من محققي المؤرخين للأندلس وثقاتهم ذكر هذا، على قلة اطلاعي، وهو عندي بعيد، لأنه لو كان لذكره الأئمة.

وقد حكى القاضي عياض (3) في الشفاء أشياء وجد عليها اسم نبينا صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر هذا،

(1) الطّول: النفل والغنى.

(2) يقال: فيها الطم والرّم: أي كل شيء.

(3) القاضي عياض: هو عياض بن موسى، اليحصبي، السبتي، المالكي، محدث حافظ مؤرخ ناقد مفسر فقيه أصولي، عالم بالنحو شاعر خطيب توفي في مراكش سنة 543 ه‍ (معجم المؤلفين 8/ 16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت