بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين . أما بعد:
فقد دعاني ما كتبته عن (( تحريف النُّصوص ) )إلى هذا الخطاب متضمنًا الدعوةَ إلى: ( الرقابة على التراث ) معروضًا على أنظار علماء العصر وأساتيذه ، ومن شاء الله من النبهاء الفضلاء على مرِّ الزمان في كل مكان ، فأقول:
لقد فضَّل اللهُ المسلمين على الكافرين بنعمٍ عظيمة ، وآلاء جسيمة ، من أجلِّها (( نعمة التراث ) )في شتَّى العلوم والمعارف الإسلامية ، مما خطَّتهُ أقلام المسلمين ، وانفتقت عنه المفاهيم في نصوص الوحيين الشريفين ، وما تفرَّع عنهما ، وما دلاَّ عليه من علوم شتى ، ومعارف جُلَّى ، بقي منها على الرُّغم من عاديات الأيام نحو (( 3.000.000 ) )ثلاثة ملايين (( مخطوط ) )في نحو (( 2.000 ) )ألفي مكتبة من مكتبات العالم .
ويوجد مجموعة كبيرة من فهارس هذه المكتبات في المكاتب العامَّة بالجامعات ، والمجامع العلمية .
هذا العدد التقريبي للتراث الإسلامي ، المحفوظ في (( خزائن العالم ) ): تميَّز به المسلمون مع تطاول القرون على أمم الأرض كافة .
فهو في تميُّزِه:
يُكّوِّن في حياة من ألَّفه ، وانفتقت عنه قريحته:
دينًا يتقرب به إلى الله تعالى .
وعلمًا ينتفع به من شاء الله من عباده"فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، و"رب مبلغ أوعى من سامع".
وحملًا للدعوة إلى الله تعالى .
وبلاغًا إلى قومٍ آخرين .
ولم يحصل لهم هذا التميُّز إلا بعد جهدٍ جاهدٍ من الطلب والتحصيل وسعة معارفهم وعلومهم ، وتعددها ، محفوفةً بسداد كلامهم ، وسلامة منهجهم ( رحمة الله عليهم أجمعين ) .
ويُّكوِّن هذا (( التراث ) )في حياة المسلمين: أمانةً تحت أيديهم هم مستحفظون عليها ، ولعلمائهم العاملين حقّ القوامةِ عليها بحملها وتبليغها من بعدهم ؛ لقول انبي - صلى الله عليه وسلم -:"يحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عدوله ؛ ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين".
وإذا كان ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا:"اتقوا الله في الضعيفين: المملوك والمرأة"روه ابن عساكر بسندٍ ضعيفٍ: تفيده نصوص الشريعة الأخرى ، وكلياتها الجامعة ، فإن رعاية حرمةِ التراث تُدَاخِلُ كلَّ واحدةٍ من الضروريات الخمس ، التي بُنِيَت عليها الملة ، ودعت إلى حفظها:
• فأولى الضروريات: المحافظة على الدين ، وهذا التراث من لُباب الديانة .
• والثانية: المحافظة على النفس ، وهذا التراث نتاجُ عقولِ المسلمين ونسلُ قلوبهم:
ما نَسْلُ قَلْبي كَنَسْلِ صُلْبِي * مَنْ قَاس رُدَّ لَهُ قِيَاسُه
• والثالثة: المحافظة على العقل ، وهذا التراث: غذاُ عقولها .
• والرابعة: المحافظة على العرض ، وهذا التراث: عِرْضُ الأمة .
• والخامسة: المحافظة على المال ، وهذا التراث كَنْزٌ لَهَا .
وما حقُّ التأليف عن الذهن ببعيد .
فحقيقٌ أن يكون أهلُ الإسلام لهذا التراث ، كالجسد الواحد ، إذا نيلَ من كتابٍ واحد ، هرعوا لكفِّ العدوان ، وصدِّ المعتدين .
وتراثٌ هذه منزلته الكبيرة ، ودرجته الرفيعة ، يالله ! كم يفرحُ المسلم ، إذا فُتحت خزائن الكتب في ديار المسلمين ، وجُلبت إليها المخطوطات ، أو مصوراتها من أنحاء العالم .
وكم يبتهج إذا وضعت الفهارس لمكتبات العالم ، وطُبعت وصار ما تناثر منها في أرجاء الدنيا في زاوية من مكتبته .
وكم ينعم المسلم ، إذا رأى لافتةَ هيئةٍ تُساعد المحققين على حِرْفَتِهِم الشاقة ، ورحلتهم المضنية في إخراج التراث .
وإذا رأى مطبعةً تديرها أيدٍ غنيةٍ ، قادرة ، أمينة .
وإذا قامت مصلحةٌ حكومية ، أو خيرية ، تعتني بتمويل الكتاب ونشره للناس .
أمَّا إذا نُفِضَ غُبار الزمن عن (( مخطوط ) )، وتداوله الناس مطبوعًا ، فهذه نعمةٌ كبرى ، تحوي مجموعةَ آلاء:
• إنقاذ المخطوط ونشر ما فيه .
• واستشعار عظمة الماضين .
• وانتفاع مَنْ شاء الله من عباده به .
• وتقوية إعداد الأمة في الحاضر .
• ومدّ آمالها المستقبلية على جسورٍ من العلم والمعرفة .
• وتحريك الهمم ، وشحذ الذهان بالعلم والبحث .