الصفحة 19 من 35

وإن تعجب، فعجب قول حجَّة الإسلام أبى حامد الغزالى، عند الكلام على الخصال التى لابد من مراعاتها في المرأة المنكوحة ليدوم العقد، وتُحمد العشرة، وتتواصل الوشائجُ. فقد قال فى (( إحياء علوم الدين ) ): (( الثامنة: أن لا تكون من القرابة القريبة، فإن ذلك يقلِّل الشهوة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم (( لا تنكوا القرابة القريبة، فإن الولد يُخلق ضاويًا ) )أى نحيفًا، وذلك لتأثيره في تضعيف الشهوة، فإن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر، وإنما يقوَى الإحساسُ بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود الذى دام النظر إليه مدَّة، فإنَّه يضعف الحسَّ عن تمام إدراكه والتأثر به، ولا تنبعث به الشهوة )) اهـ بنصه.

وسوف أغضُّ الطرف عما في كلام حجَّة الإسلام الغزالى من الأمور النفسانية التى تتأثر بها بواعث الشهوة قوةً وضعفًا، فما أبعده عن البرهان والدليل على الأحكام الشرعية التكليفية !. والذى ينبغى توسيع دائرة انتقاده من كلام حجَّة الإسلام ـ رحمه الله ـ، هو نسبة هذا النهى عن الزواج بالقرابة إلى النَّبىِّ المعصوم صلَّى الله عليه وسلَّم، والجزم بأن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد قال هذا الكلام، الذى لا يصدر مثلُه عن مشكاة النُّبوة، وقد قامت الحجَّة من السنَّة الفعلية على بطلان هذه النسبة، إذ كيف ينهى النبىُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عما نُدب إليه وأُمر بفعله بنص القرآن العظيم ؟!!.

أمرٌ ثانٍ، وهو أن هذا الحديث باطل ليس مما يعتمد عليه في ثبوت النهى المذكور، فقد قال الحافظ زين الدين العراقى فى (( تخريج الإحياء ) ): (( قال أبو عمرو بن الصلاح: لم أجد له أصلًا معتمدًا. قلت: إنما يعرف من قول عمر أنه قال لآل السائب: قد أضويتم، فانكحوا في النوابغ ) ). رواه إبراهيم الحربى فى (( غريب الحديث ) )، وقال: معناه تزوجوا الغرائب. وقال: يقال: اغتربوا ولا تضووا )) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت