فقلت مهلًا مهلًا، فقد بنيت أصلًا وهدمت أصلًا.
لسنا ندعوك إلى التقليد، ولا نعود على الاجتهاد بالتقييد ؛ لكنّ في الأمر طريقةً وسطًا، لا تقبل زيغًا ولا شططًا.
إنّ للحفّاظ طريقة يختطّونها، ومنهجًا يحملون رحالهم فيه ويحطّونها، يتبع آخرُهم الأُلّ، ويجتمع عليه الكلّ.
وللطريق رواحلُ لا تقطع إلا بها، ومراحلُ ترتحلُ في طلبِها، فإن أصبتها فبها، وإن كنت راجلًا فترجّل عن دربِها.
فحصِّل أوّل ما تحصّل راحلة الطريق، واسع في تطلّبها سعي الغريق.
والعمدة في هذا الفنّ وليس بالسهل الطّيِّع، ما قاله أبو عبد الله الحاكم ابن البيِّع:
"الحفظ والفهم والمعرفة لا غير"، فحصّلها قبل أن تستدرك إن كان فيك خير.
فإذا حصّلت الرّاحلة فاعرف طرائقهم، واستهدِ بهم في طريقك، وخذ منهم أصول الفنّ المطّردة، وقواعده المتّفق عليها.
وستجد بعد مدّة، أنّه صار لك نَفَسٌ في هذا العلم، وفقه نفْسٍ يعينك على الفَهم، وملَكةٌ حديثيّة، تعرف بها مقولاتهم، ولم قالوها، وسُنَنهم، وكيف استنّوها.
إذ ذاك يقال: للآخِر أن يستدرِكَ علََى الأوّل، إذا نبغ وتأهّل، وفهم كلام الأوّل ومراده، وأسلم إليه في التأصيل قياده، على أنْ لا يؤدّي استدراكه إلى محظور من محظورات علم الحديث، ولا يخالف إجماعًا استقرّ قبل غرائب هذا العصر الحديث.
ومن محظورات الحديث: أن يوجد طريقٌ صحيح لا علّة له، ولا يشتهر مع كونه في مظنّة الشهرة.
وأن يقول الحافظ المتتبّع المطّلع: لا يروى حديث كذا إلا من طريق كذا، ثمّ يستدرك عليه العصريّ بأنّه وجده في فوائد تمّام، أو في الثاني والثلاثين من حديث أسامة، ونحو ذلك.
قال: أفلا ترى أنّ عسيرًا على بني العصر أن يحفظوا مائتي ألف حديثٍ بأسانيدها، ويعرفوا الرجال وأحوالهم على تفاصيلها، وهنا يحلّ للعصريِّ كما تزعم أن يتكلّم على الإسناد؟