الصفحة 30 من 35

قلت: هذا بيت القصيد، والغاية التي ليس بعدها مزيد، وهنا زلّت أقدام وتتابع على الغلط أقوام، وليس هذا الموضع مختصًّا بعلم الحديث، بل لكلّ علمٍ منه حظّ.

وذلك أنّ رتبة الاجتهاد على الاستقلال المحض، لم يصلها أحد من الأمّة بعد الصّحابة، والدّعوة إلى التّقليد لم يقل بها ذو فطنة ونجابة، بل سار الأوّلون والآخرون على طريقةٍ وسطٍ، جفا جافٍ وغلا غالٍ فيها فغلط.

قال: أبِنْ ليْ هُديت، فقد جئت بما لم يطرق أذنيّ.

قلت: وما أخشى إلاّ نفرة الأذن من الغريب، ودعوى استحداث قول لم يقل به عريب.

لكن بين يديَّ ابنُ القيّم حاكيًا:"وما من أحد من أئمّة الدّين إلا هو مقلّد في بعض المسائل من هو أعلم منه".

وهذا أحمد إمامنا يقول"إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها شيئًا أخذت فيها بقول الشافعي"

ومن تتبّع آثار السلف، ومن سار سيرتهم من الخلف - علم أنّ هذه كانت طريقتهم.

فكان بالكوفة أصحاب ابن مسعود، يتابعونه في أقواله، ويتّبعونه في غالب أحواله، ثمّ كان على ذلك أهل الكوفة.

وبالبصرة على قول أنس وابن سيرين والحسن.

وبالمدينة كان الناس على قول زيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر، وكثر تمسّكهم بفتاوى الفاروق، ثمّ أقوال فقهاء المدينة السّبعة.

وبمكّة كان الناس على قول ابن عبّاس في الغالب، ثمّ على قول أصحابه كطاوس وعطاء ثمّ ابن دينار وابن جريج.

ومعاذ الله أن يفهم من هذا الدعوة إلى التقليد إلا من في قلبه مرض، أو له من وراء ذلك غرض.

وإنّما نقول، يجتهد الطالب قدر استطاعته ؛ فمتى كان الإسناد معروفًا لديه، وحال الراوي ماثلًا بين يديه، بما حصل له من دربة، وما ادّخره في الجعبة، أقدمَ فحكم.

وإن التبس الأمر عليه، فليقلّد العارف، وليسلم الأمر إليه، وإن كان مقلّدًا ولا بدّ، فعليه بالحفّاظ ذوي النّقد.

فقال: وفقك الله، وجزاك خيرًا، ولك عليَّ أن أتمسّك بمنهج السلف والمحققين، في الدقيق والجليل من أمور الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت