دعى داعٍ. وسعى ساعٍ. لا أنجح الله مساعيه. ولا أقرَّ عينَه ببلوغ أمانيه. إذ قام على باب جهنم داعيًا إلى الضلالة والردى. ويزعم أنه قد رزق التوفيق واهتدى. فما قام ليدعو إلى المنهج القويم. ولكن ليصرف الوجوه عن الصراط المستقيم. وسيعلم الناعق حين ينكشف الغطاء. أن دعوته كانت سرابًا بقيعةٍ يحسبه الظمآنُ ماء. ولولا أنه قد خلا له الجو. ما كان بمسموع الصوت بأرضٍ ولا جوّ.
يا لكِ من قُبَّرةٍ بمعمرِ خلا لكِ الجوُّ فبيضى واصفرى
ونقِّرى ما شئتِ أن تنقِّرى قد رُفع الفخُّ فماذا تحذُرى
لا بد يومًا أن تُصَادى فاصبرى !
وأظنك أيها الداعى الغبى. الذى يظن أنه الأصمعى. قد غرَّك رهطٌ احتفوا بك في مجلسك. وألقوْا السمع إلى هَوَسِك. يصدقونك في كل هَذَر. ويصوبونك في كل ما تأتى وتذرّ. ويطئون عَقِبَك في المسير. ويأتمرون بأمرك في الجليل والحقير. ويعظِّمونك في الخطاب. ويمثِّلونك بذوى الألباب. ويلقِّبونك بالإمام اللوذعى. ويرفعونك فوق رتبة الشافعى. وأظنك لم تقارع الأبطال اللهاميم. ولم يدفع بك إلى فارسٍ يعركك عَرْك الأديم. فظننت لجدك العاثر بنفسك الظنون. ورسخ في دماغك هذا الجنون. ولم تُرزق لشئوم حظِّك ناصحًا رحيمًا. ولا مرشدًا بأدواء النفوس عليمًا. يصرفك عن هواك وعصبيتك. ويحثُّك على التوبة من خطيئتك. ويرشدك إلى المناهج السويَّة. ويلحقك بذوى الآداب المرعيَّة. ويوقظك من غَفَلاتك ويقول:
أراك على شفا خطرٍ مهولِ بما آذيت راسَكَ من فُضولِ
ألم تعلم أنه فيما حولك فحولٌ ولكنهم صامتون. ونحاريرُ علمٍ ولكنهم متواضعون. لا يُشقُّ لهم غُبَار. ولا يُجرى معهم في مِضْمَار. فإن كنت رأيت نفسك فوق الكلّ. فما أشبهك بضلِّ ابن ضل. أنفٌ في السماء وإستٌ في الماء. فلا يغْررُك ما أقامك أشياعُك فيه. فإنَّ قدركَ لا يخفى على العاقلِ النبيه.