فلما فرغ خالد من ضرب عسكره ـ وبنو حنيفة تسوي صفوفها ـ نهض خالد إلى صفوفه فصّفها، وقدم رايته مع زيد بن الخطاب. ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس بن شماس، فتقدم بها.
وجعل على ميمنته: أبا حذيفة بن عتبة. وعلى ميسرته: شجاع بن وهب. واستعمل على الخيل البراء بن مالك، ثم عزله، واستعمل أسامة بن زيد.
فأقبل بنو حنيفة، وقد سلوا السّيوف، فقال خالد: يا معشر المسلمين: أبشروا، فقد كفاكم الله أمر عدوّكم، ما سلوا السّيوف من بُعْدٍ إلاّ ليرهبوا.
فقال مجاعة: كلا، يا أبا سليمان، ولكنها الهندوانية، خشوا تحطمها، وهي غداة باردة، فأبرزوها للشمس لتسخن متونها. فلما دنوا من المسلمين نادوا: إنّا نعتذر إليكم من سَلِّنا سيوفنا، والله ما سللناها ترهيبًا، ولكن غداة باردة، فخشينا تحطمها، فأردنا أن نسخن من متونها إلى أن نلقاكم، فسترون.
فاقتتلوا قتالًا شديدًا. وصبر الفريقان صبرًا طويلًا، حتى كثر القتل والجراح في الفريقين.
واستحر القتل في المسلمين وحملة القرآن، حتى فنوا إلاّ قليلًا، وهُزم كلّ من الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين، والمشركون عسكر المسلمين مرارًا. وجعل زيد بن الخطاب ـ ومعه الرّاية ـ يقول: اللهم إنّي أبرأ إليك مما جاء به مسيلمة، وأعتذر إليك من فرار أصحابي. وجعل يشتدّ بالرّاية في نحور العدوّ. ثم ضارب بسيفه حتى قتل-رحمه الله ورضي عنه-.