الصفحة 204 من 335

حوادث السّنة الثّالثة والعشرين:

ثم دخلت السّنة الثّالثة والعشرون.

وفيها قُتِلَ عمر ـ رضي الله عنه ـ في صلاة الصّبح من يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين.

ولما رجع من الحجّ في آخرها قام خطيبًا، فقال: (( إنّي رأيت كأنّ ديكًا أحمر نَقَرَني نَقْرتين أو ثلاثًا، ولا أرى في ذلك إلاّ حضور أجلي ) ).

ثم خرج إلى السّوق، فلقيه أبو لؤلؤة المجوسي، غلام المغيرة بن شعبة، وكان صانعًا يعمل الأرحاء. فقال له: ألا تُكَلِّم مولاي يضع عني من خراجي؟ قال: وكم خراجك؟ قال: دينار. قال: إنّك لعامل محسن، فقال: وسِعَ النّاسَ عَدْلُك وضاق بي، وأضمر قتل عمر، فاصطنع خنجرًا ذا حدّين وشحذه وسمّه، ثم أتى به الهرمزان. فقال: كيف ترى هذا؟ قال: أرى أنّك لا تضرب به أحدًا إلاّ قتله1.

ـــــــ

1 كان أبو لؤلؤة من كبار ساسة الفرس الذين يحقدون على الإسلام أشدّ الحقد؛ لأنّه أزال دولة الفرس بطقوسها وكلّ نظمها، ومحاها محوًا تامًّا. فاحتال حتى جاء إلى المدينة عبدًا للمغيرة بن شعبة وكَوَّن ـ هو والحاقدون مثله من الفرس واليهود ـ جمعية سرّية لمحاربة الإسلام.

ويقال إنّه كان منهم كعب الأحبار. فالله أعلم. فكان من أوّل عملهم: قتل عمر. لأنّه على يده محا الله دولة الفرس؛ ولأنّه كان محدثًا، يرهبه هؤلاء أشدّ الرّهبة لنفوذ بصره، وشدّة توسمه، ومعرفته للأمور البعيدة. فما كان من السّهل أن يبلغوا في كيد الإسلام في حياة عمر ـ رضي الله عنه ـ ما بلغوا بعد قتله. وهم الذين دبّروا الفتنة التي قتلوا فيها عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، ثم حرب صفين، ثم قتلى عليّ وابنه الحسين ـ رضي الله عنهم ـ. ولا يزالون يكيدون للإسلام إلى اليوم حتى كانت فتنة فلسطين اليوم وتشريد أهلها. وحلول رؤوس الفساد والخبث فيها مِمَن لعنه الله وغضب وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطّاغوت. كلّ ذلك من هذه الجماعة الفارسية اليهودية التي تسمت في كلّ عصر باسم يناسبه. وكان من أخدع أثوابها الصّوفية، والمذهبية التي فرّقت المسلمين وجعلتهم شيعًا وأحزابًا كلّ حزب بما لديهم فرحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت