الصفحة 328 من 335

بيّن سبحانه وتعالى أنّه ما منعه أن يرسل بها إلاّ أن كذب بها الأوّلون، فإذا كذب هؤلاء كذلك استحقّوا عذاب الاستئصال.

وروى أهل التّفسير، وأهل الحديث عن ابن عباس. قال:"سأله أهل مكّة أن يجعل لهم الصّفا ذهبًا، وأن يُنَحِّي عنهم الجبال حتى يزرعوا. فقيل له: إن شئت نستأنى بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا، كما هلك مَن قبلهم. فقال: بل أستأنى بهم؛ فأنْزل الله: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} الآية1."

وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية. قال: رحمة لكم أيّها الأمّة، إنا لو أرسلنا بالآيات، فكذبتم بها أصابكم ما أصاب مَن قبلكم. وكانت الآيات تأتيهم آية بعد آية. فلا يؤمنون بها، قال تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} الآيات2.

أخبر سبحانه بأنّ الآيات تأتيهم فيعرضون عنها، وأنّهم سيرون صدق ما جاءت به الرّسل، كما أهلك الله مَن كان قبلهم بالذّنوب التي هي تكذيب الرّسل، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} الآية3. وأخبر بشدّة كفرهم بأنّهم لو أنْزل عليهم كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم، لكذبوا به، وبيّن سبحانه أنّه لو جعل الرّسول ملكًا لجعله على صورة الرّجل؛ إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها. وحينئذٍ يقع اللبس عليهم، لظنّهم

ـــــــ

1 الآية 59 من سورة الإسراء.

2 الآيات من 4-6 من سورة الأنعام.

3 الآية 59 من سورة القصص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت