عَبَّاسٍ [1] .
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ القَلَمَ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: الحُكْمُ، فَكَمَا جَازَ نَسْخُ الحُكْمِ وَإِثْبَاتُهُ فَكَذَلِكَ العُمْرُ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ [2] وَالضَّحَّاكُ [3] : المُرَادُ بِالآيَةِ: مَحْوُ مَا فِي دِيوَانِ الحَفَظَةِ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ وَلَا سَيِّئَةٍ؛ لأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ [4] كُلِّ مَا يَنْطِقُ بِهِ الإِنْسَانُ [5] .
قُلْتُ: هُوَ قَرِيبٌ؛ لَكِنَّ المُرَادَ لَا يَدْفَعُ الإِيرَادَ [6] ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ مِنْ
(1) رَوَاهُ النَّحَّاسُ فِي «مَعَانِي القُرْآنِ» (3/ 502 - 503) بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: « (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ) ؛ يَقُولُ: يُبَدِّلُ اللهُ مِنَ القُرْآنِ مَا يَشَاءُ فَيَنْسَخُهُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَلَا يُبَدِّلُهُ، وَ (عِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ) ؛ يَقُولُ: جُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ: النَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ» ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (13/ 566) .
(2) هُوَ: بَاذَامُ - وَيُقَالُ: بَاذَانُ -، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْهُ فِي «التَّقْرِيبِ» (ص120) : «ضَعِيفٌ يُرْسِلُ» ، وَقَالَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ - كَمَا فِي «الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ» (2/ 432) : «يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ» .
(3) هُوَ: أَبُو القَاسِمِ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ البَلْخِيُّ الخُرَاسَانِيُّ، لَهُ كِتَابٌ فِي التَّفْسِيرِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (105هـ) ، انْظُرِ «الأَعْلَامَ» لِلزِّرِكْلِيِّ (3/ 215) .
(4) (كَتْب) : بِفَتْحِ الكَافِ وَسُكُونِ التَّاءِ؛ مِنْ (كَتَبَ يَكُتُبُ كَتْبًا وَكِتَابًا وَكِتَابَةً وَكِتْبَةً) ، انْظُرْ «تَاجَ العَرُوسِ» (مَادَّةَ كَتَبَ) .
(5) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «التَّفْسِيرِ» (13/ 566) عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِنَحْوِهِ.
(6) المَعْنَى الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ العِبَارَةِ هُوَ: (مُرَادُكَ مِنْ قَوْلِكَ لَا يَمْنَعُ الاعْتِرَاضَ عَلَى لَفْظِكَ) ، فَـ (المُرَادُ) : هُوَ نِيَّةُ المُتَكَلِّمِ وَقَصْدُهُ لِعِبَارَتِهِ بَعْدَ أَنْ فُهِمَتْ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَ، وَ (الإِيرَادُ) : هُوَ لَفْظُ المُتَكَلِّمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْمَعْنَى نَفْسِهِ الَّذِي أَرَادَهُ؛ فَإِذَا قَالَ المُتَكَلِّمُ: (خَرَجْتُ مِنْ بَلَدِ كَذَا، فَلَقِيتُ فِي الطَّرِيقِ أَسَدًا) ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: (إِنَّكَ لَمْ تَلْقَ أَسَدًا أَصْلًا، إِنَّمَا لَقِيتَ فُلَانًا مِنْ بَنِي فُلَانٍ) ، فَقَالَ: (مُرَادِي بِالأَسَدِ: الرَّجُلُ الشُّجَاعُ، لَا الأَسَدُالحَقِيقِيُّ) ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: (المُرَادُ لَا يَدْفَعُ الإِيرَادُ) ؛ أَيْ: نِيَّتُكَ وَقَوْلُكُ: (المُرَادُ كَذَا) لَا يَدْفَعُ عَنْهُ مَا وَرَدَ فِي لَفْظِكَ؛ لأَنَّ لَفْظَكَ يُفْهَمُ مِنْهُ المَعْنَى البَاطِلُ الَّذِي لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَهُوَ الأَسَدُ الحَقِيقِيُّ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُصَحِّحَ كَلَامَكَ بِنِيَّتِكَ؛ لِعَدَمِ ظُهُورِهَا.
وَانْظُرْ - لِمَزِيدِ بَيَانٍ - الرِّسَالَةَ الوَاحِدَةَ وَالخَمْسِينَ مِنْ «رَسَائِلِ الحَسَنِ بْنِ مَسْعُودٍ اليُوسِيِّ» بِعُنْوَانِ «المُرَادُ لَا يَدْفَعُ الإِيرَادَ» (2/ 588) .