فَإِنَّ عِلْمَهُ أَزَلِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى وَفْقِ [1] عِلْمِهِ فِي الأَزَلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الفَرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَمَا قَالُوهُ مِنْ دَلِيلٍ وَتَعْلِيلٍ، غَيْرَ أَنَّهَا كُلُّهَا [2] - عِنْدِي - لَا تَشْفِي العَلِيلَ وَلَا تُرْوِي الغَلِيلَ.
وَكَلَامُ الحَافِظِ السُّيُوطِيِّ مُسَلَّمٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ عِلْمَ اللهِ أَزَلِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ ... » - إِلخ - [3] ، بَلْ لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ، وَإِلَّا انْقَلَبَ العِلْمُ جَهْلًا.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ إِلَّا مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ - تَعَالَى - أَنَّهُ سَيَكُونُ» [4] .
وَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ أَنَّ (زِيَادَةَ العُمْرِ وَنَقْصَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أَوْ بُرِّزَ إِلَى المَلَائِكَةِ) ؛ فَأَنَا أُسَلِّمُهُ - أَيْضًا - عَلَى مَا فِيهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالجَوَابِ الدَّافِعِ لِلإِشْكَالِ عَمَّا وَرَدَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَالتَّغْيِيرِ
(1) بِفَتْحِ الوَاوِ - كَمَا فِي دَوَاوِينِ اللُّغَةِ -، وَلَمْ يَرِدِ الكَسْرُ - كَمَا يُشَاعُ لَفْظُهَا -، وَهِيَ مَصْدَرُ (وَفِقَ يَفِقُ) ، وَتَعْنِي: المُوَافَقَةَ وَالمُلَاءَمَةَ وَالمُطَابَقَةَ.
(2) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّأْكِيدِ، أَوِ الرَّفْعِِ عَلَى الابْتِدَاءِ.
(3) بِالاخْتصَارِ؛ أَيْ: (إِلَى آخِرِهِ) ، وَالأَضْبَطُ فِي أُصُولِ تَحْقِيقِ الكُتُبِ - اليَوْمَ - أَنْ يَكُونَ المَكْتُوبُ - عَلَى الدَّوَامِ - مُوَافِقًا لِأَصْلِ المَلْفُوظِ وَنَصِّهِ، وَهُوَ الأَدْعَى لَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي لَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الاخْتِصَارَاتِ الكِتَابِيَّةِ.
(4) انْظُرِ «المِلَلَ وَالنِّحَلَ» لابْنِ حَزْمٍ (3/ 84) .