الصفحة 5 من 11

أمرهم إذ ذاك بإقامة الحدود على كل منافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب، إذ رأوا أن بعض من دخل فيه يُقتل، وفي مثل هذه الحال نزل قوله: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} ... فحيث ما كان للمنافق ظهور وتُخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية {وَدَعْ أَذَاهُمْ} ، كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح، وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} ) انتهى باختصار من الصارم المسلول.

فهذه"دار عزٍّ ومنعة"، حاكمها هو النبي (نفسه، والمجاهدون فيها هم صحابة النبي (أنفسهم، ومع كل هذا(كان للمنافق ظهور و"تُخاف"من إقامة الحد عليه فتنة أكبر ... ) !.

أين هذا من المناطق المحررة التي يقوم عليها قِلّةٌ من المجاهدين، تكالبت عليهم كل قوى الكفر بجميع أسلحتها، مع ندرة في العلماء، وقِلّة في طلبة العلم، وتخذيل شديد ممن كانوا يرجون منهم نصرة، فاتهموهم في دينهم إما بالغلو أو بالتمييع؟!.

سياسة هيئة تحرير الشام مستمدة أيضًا من طريقة الخلفاء الراشدين؛ والتي بيّنها شيخ الإسلام بن تيمية ~ بقوله:

(وأما الماشون على طريقة الخلفاء الراشدين فليسوا أكثر ا?مة، ولكن على هؤ?ء الماشين على طريقة الخلفاء أن يعاملوا الناس بما أمر الله به ورسوله من العدل بينهم وإعطاء كل ذي حق حقه وإقامة الحدود"بحسب الإمكان"، إذ الواجب هو ا?مر بالمعروف وفعله، والنهي عن المنكر وتركه"بحسب ا?مكان"، فإذا عجز أتباع الخلفاء الراشدين عن ذلك قَدّموا خير الخيرين حصو?ً وشر الشرين دفعًا، والحمد لله رب العالمين) انتهى من الاستقامة.

ربما يكون منشأ التعجب من سياسة المجاهدين هو الظن بأن مجرد إمكان الفعل يُعدُّ استطاعةً شرعيةً، تُوجبُ القيامَ بهذا الفعل؛ والصواب أن الاستطاعة الشرعية لا تتحقق بمجرد القدرة على الفعل، بل لابد من مراعاة لوازم ذلك؛ وهذا المعنى بيّنه ابن أبي العز الحنفي ~ بقوله:

(فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإن كان الفعل ممكنًا بالمفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائمًا مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته، ونحو ذلك. فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يُكَلَّفُ مع العجز؟) أهـ من شرح الطحاوية.

وبيّنه شيخ الإسلام بن تيمية ~ بقوله:

(بل مما ينبغي أن يُعرَفَ أن الاستطاعة الشرعية المشروطة في الأمر والنهي لم يكتف الشارع فيها بمجرد المكنة ولو مع الضرر، بل متى كان العبد قادرًا على الفعل مع ضرر يلحقه جُعِلَ كالعاجز في مواضع كثيرة من الشريعة، كالتطهر بالماء، والصيام في المرض، والقيام في الصلاة، وغير ذلك، تحقيقًا لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .

ولقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت