الصفحة 6 من 11

ولقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} .

وفي الصحيح عن أنس > عن النبي (أن الأعرابي لما بال في المسجد قال: {لَا تَزْرُمُوهُ - أي لا تقطعوا عليه بوله - فَإِنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ} .

وكذلك في الصحيح أن النبي(قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: {يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا} .

وهذا وأمثاله في الشريعة أكثر من أن يُحصر) . انتهى من مجموع الفتاوى.

ومن لوازم الاستطاعة الشرعية أيضًا تقديم ا?وجب عند التعارض بين الواجبات؛ وهذه قاعدة عظيمة جليلة نافعة بيّنها شيخ الإسلام بقوله:

( ... القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منهما فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فيُنظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن يُنهوا عن منكر، بل يُنظر؛ فإن كان المعروف أكثر أُمِرَ به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم يُنه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نُهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمرًا بمنكر وسعيًا في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم يُنهَ عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يُقدِم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيًا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله) مجموع الفتاوى، ج 28.

والذي أحب أن يُنتَبَه إليه في كلام شيخ الإسلام قوله: (وعلى هذا إذا كان الشخص أو"الطائفة"جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما ... ) .

الخطاب - إذن - مُتَوجّهٌ لطائفة؛ وهو في كلامنا هذا متوجه لـ (هيئة تحرير الشام) ؛ وعليه فَهُم المخاطَبون بتحديد المصالح والمفاسد المرتبطة بالقيام بواجب ما، ثم هم المخاطَبون بإثبات التعارض بين الواجبات أو نفيه، ثم هم المخاطبون بتقديم واجب على آخر عند التعارض، أو بترك القيام بواجب لدرء مفسدة هم يعلمونها، ثم هم المخاطَبون وحدهم بالفصل في المظالم المزعومة، وعليهم استماع النصح من غيرهم في هذا الباب؛ لكن حق الترجيح - بعد الدراسة والانتصاح من أهل العلم - لهم وحدهم، بصفتهم ولاة ا?مر فيما حرروه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت