كذلك ارتياد النصارى لبيت المقدس واختلاطهم بالمسلمين فيه وتعودهم رؤية المسلمين يؤدون صلاتهم فيه، أدى إلى تبدل نظرة الكثيرين منهم إلى المسلمين من نظرة متعصبة حاقدة إلى نوع من المودة والاحترام وقد أشار أسامة بن منقذ إلى شيء من ذلك فبينما كان يؤدي الصلاة في بيت المقدس متجهًا إلى مكة وحوله بعض الفرنج تقدم إليه أحدهم وصرفه عن القبلة، فمنعه آخرون منهم واعتذروا لأسامة، وأن هذا الرجل قدم حديثًا من البلاد ولم يتعود أن يرى مسلمًا يصلي متجهًا إلى مكة [1] ، لذلك استنتج هذه الملاحظات أسامة بنفسه حيث قال: فكل من هو قريب بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقًا من الذين قد تبلدوا وعاشروا المسلمين [2] .
وقد كان لبعض المساجد في بلاد المسلمين شأن وذكر، بل أنها استحوذت على بعض القادة المسلمين، وكون العناية بمثل هذه المساجد وسيلة لكسب المسلمين الخاضعين لسيطرتهم ومن ذلك مثلًا مسجد القسطنطينية الذي دارت بشأنه العديد من السفارات بين صلاح الدين وإمبراطور الروم والذي كان يبدي اهتمامه وعنايته بهذا المسجد، حيث أرسل صلاح الدين من أجل ذلك سفارة تضم إمامًا وخطيبًا للمسجد، وكان لذلك أثره في إبراز صورة الإسلام في معقل من معاقل النصرانية، وقد قال ابن شداد عن ذلك: .. وكان يوم دخولهم - أي سفارة صلاح الدين إلى القسطنطينية يومًا عظيمًا من أيام الإسلام شاهده جمع كثير من التجار، ورقى الخطيب المنبر، واجتمع إليه المسلمون المقيمون بها والتجار وأقام الدعوة الإسلامية العباسية [3] لقد قامت المساجد بدورها في دعوة النصارى إلى الإسلام العظيم.
(1) الاعتبار، لابن منقذ ص 134 - 135.
(2) المصدر نفسه ص 134 دعوة المسلمين للنصارى (1/ 478) .
(3) النوادر السلطانية ص 202 دعوة المسلمين للنصارى (1/ 479) .