وَقَالَ النَّوَوِيُّ [1] : وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ , وَهُوَ أَيْضًا مِنْ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْحِسْبَةَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ [2] , وَقَدْ تَكُونُ فَرْضَ , عَيْنٍ فِي الْحَالَاتِ الْآتِيَةِ , وَفِي حَقِّ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَمَا يَلِي:
الْأُولَى [3] : الْأَئِمَّةُ وَالْوُلَاةُ وَمَنْ يَنْتَدِبُهُمْ أَوْ يَسْتَنِيبُهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَنْهُ , لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُتَمَكِّنُونَ بِالْوِلَايَةِ وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (41) سورة الحج، فَإِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إلَى الِاسْتِيلَاءِ , وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْوُلَاةُ وَالْحُكَّامُ , فَلَا عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّهُ إذَا أَهْمَلَ الْوُلَاةُ وَالْحُكَّامُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ , فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ [4] .
الثَّانِيَةُ: مَنْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ إلَّا هُوَ , أَوْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إزَالَتِهِ غَيْرُهُ كَالزَّوْجِ وَالْأَبِ , وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيُؤْتَمَرُ بِأَمْرِهِ , أَوْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ صَلَاحِيَّةَ النَّظَرِ وَالِاسْتِقْلَالِ بِالْجِدَالِ , أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ , فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ [5] .
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحِسْبَةَ قَدْ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَنْصُوبِ لَهَا بِحَسَبِ عَقْدٍ آخَرَ , وَعَلَى الْمَنْصُوبِ لِهَلْ تَجِبُ ابْتِدَاءً , كَمَا إذَا رَأَى الْمُودَعُ سَارِقًا يَسْرِقُ الْوَدِيعَةَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ , وَكَذَلِكَ إذَا صَالَ فَحْلٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ , سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ أَوْ الَّذِي صَالَ عَلَيْهِ الْفَحْلُ , أَوْ مُعَيَّنًا لَهُ مِنْ الْخَلْقِ وَلَا ضَمَانَ , لِأَنَّ دَفْعَهُ فَرْضٌ يَلْزَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فَنَابَ
(1) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 131) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 5997) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 429)
(2) - أحكام القرآن للجصاص 2/ 315 وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 292وأحكام القرآن لإلكيا الهراسي 2/ 62 وشرح النووي على مسلم 2/ 23والطرق الحكمية ص 237 وقواعد الأحكام 1/ 50 وجمع الجوامع بشرح جلال الدين المحلي وحاشية العاطر 1/ 185 و186 والآدتب الشرعية 1/ 181 وغذاء الألباب 1/ 188
(3) - الأحكام السلطانية للمارودي ص 240 - 241وتحفة الناظر وغنية الذاكر 4و24 وتفسير القرطبي 4/ 165ونصاب الاحتساب 24و189وغرائب القرآن 4/ 28 والآداب الشرعية 1/ 182 والطرق الحكمية ص 237
(4) - ففي مسند أبي عوانة برقم (5670) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: إِنَّكَ كُنْتَ لَتُكْرِمُنِي فِي الصِّحَّةِ، وَتَعُودُنِي فِي الْمَرَضِ، وَلَوْلا مَا أَتَى بِهِ يَعْنِي الْمَوْتَ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: مَا مِنْ رَاعٍ غَشَّ رَعِيَّتَهُ، إِلا وَهُوَ فِي النَّارِ. وهو صحيح
(5) - شرح مسلم للنووي 2/ 23 والزواجر عن قتراف الكبائر 2/ 170 والآداب الشرعية 1/ 174 وغذاء الألباب 1/ 181 وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 292