وَعِنْدَئِذٍ يَكُونُ مُدَّعِيًا بِالْحَقِّ وَشَاهِدًا بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِالِاحْتِسَابِ دُونَ انْتِدَابٍ لَهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ الْمُتَطَوِّعَ , أَمَّا مَنْ انْتَدَبَهُ الْإِمَامُ وَعَهِدَ إلَيْهِ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ وَالْكَشْفَ عَنْ أُمُورِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ فَهُوَ الْمُحْتَسِبُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ كَمَا بَيَّنَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهِيَ [1] : الْأَوَّلُ: أَنَّ قِيَامَ الْمُحْتَسَبِ بِالْوِلَايَةِ صَارَ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا يَسُوغُ أَنْ يُشْتَغَلَ عَنْهَا بِغَيْرِهَا وَقِيَامُ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا مِنْ نَوَافِلِ عَمَلِهِ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْهَا بِغَيْرِهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِلِاسْتِعْدَاءِ فِيمَا يَجِبُ إنْكَارُهُ , وَلَيْسَ الْمُتَطَوِّعُ مَنْصُوبًا لِلِاسْتِعْدَاءِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِالْوِلَايَةِ إجَابَةُ مَنْ اسْتَعْدَاهُ وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ إجَابَتُهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ لِيَصِلَ إلَى إنْكَارِهَا وَيَفْحَصَ عَمَّا تُرِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ , وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ بَحْثٌ وَلَا فَحْصٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَعْوَانًا , لِأَنَّهُ عَمَلٌ هُوَ لَهُ مَنْصُوبٌ وَإِلَيْهِ مَنْدُوبٌ لِيَكُونَ عَلَيْهِ أَقْدَرَ , وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَنْدُبَ لِذَلِكَ أَعْوَانًا.
السَّادِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ فِي الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ وَلَا يَتَجَاوَزَ إلَى الْحُدُودِ , وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يُعَزِّرَ عَلَى مُنْكَرٍ.
السَّابِعُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى حِسْبَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ , وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى إنْكَارِ مُنْكَرٍ
الثَّامِنُ: أَنَّ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ كَالْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ , وَإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ فَيُقِرُّ وَيُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ , وَلَيْسَ هَذَا لِلْمُتَطَوِّعِ [2] .
أَرْكَانُ الْحِسْبَةِ [3] :
10 -ذَكَرَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ [4] : الْمُحْتَسِبُ , وَالْمُحْتَسَبُ عَلَيْهِ , وَالْمُحْتَسَبُ فِيهِ , وَنَفْسُ الِاحْتِسَابِ. وَلِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ حُدُودٌ وَأَحْكَامٌ وَشُرُوطٌ تَخُصُّهُ:
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: الْمُحْتَسِبُ [5] :
وَهُوَ مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِلنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ وَالْكَشْفِ عَنْ أُمُورِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ , وَتَصَفُّحِ أَحْوَالِ السُّوقِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ , وَاعْتِبَارِ مَوَازِينِهِمْ وَغِشِّهِمْ , وَمُرَاعَاةِ مَا يَسْرِي عَلَيْهِ أُمُورُهُمْ , وَاسْتِتَابَةِ الْمُخَالِفِينَ , وَتَحْذِيرِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ , وَتَعْزِيرِهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ مِنْ التَّعْزِيرِ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ [6] .
(1) - الذخيرة في الفقه المالكي للقرافي - (ج 9 / ص 157) والأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 486) ومعالم القربة في طلب الحسبة - (ج 1 / ص 7)
(2) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 240 و241 والأحكام السلطانية لبي يعلى ص 284 و285 وتحفة الناظر وغنية الذاكر ص 178 و نهاية الرب 6/ 292 - 293
(3) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6034)
(4) - إحياء علوم الدين 2/ 398و شرحه إتحاف السادة المتقين 7/ 14
(5) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6034) وإحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 148)
(6) - معالم القربة في احكام الحسبة ص 7 ونهاية التربية في طلب الحسبة ص 14