شُرُوطُ الْمُحْتَسِبِ [1] :
11 -اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ شُرُوطًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا , وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أَوَّلًا: الْإِسْلَامُ:
الْإِسْلَامُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الِاحْتِسَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلْطَنَةِ وَعِزِّ التَّحْكِيمِ , فَخَرَجَ الْكَافِرُ لِأَنَّهُ ذَلِيلٌ لَا يَسْتَحِقُّ عِزَّ التَّحْكِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ تَعَالَى: { .. وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) سورة النساء، وَلِأَنَّ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ نُصْرَةً لِلدِّينِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ جَاحِدٌ لِأَصْلِ الدِّينِ [2] .
الشَّرْطُ الثَّانِي: التَّكْلِيفُ (الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ) :
12 -التَّكْلِيفُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ وَشَرْطُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى فَهْمِ الْخِطَابِ , وَصَلَاحِيَةِ الْمُكَلَّفِ لِصُدُورِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا , وَدِعَامَتُهُ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ أَدَاةُ الْفَهْمِ , وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْلًا لِلدِّينِ وَلِلدُّنْيَا فَأَوْجَبَ التَّكْلِيفَ بِكَمَالِهِ. فَالتَّكْلِيفُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الِاحْتِسَابِ وَتُوَلِّي وِلَايَتِهَا , أَمَّا مُجَرَّدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ وَلَا يَلْزَمُهُ فِعْلُ ذَلِكَ , أَمَّا إمْكَانُ الْفِعْلِ وَجَوَازُهُ فِي حَقِّهِ فَلَا يَسْتَدْعِي إلَّا الْعَقْلَ فَإِذَا عَقَلَ الْقُرْبَةَ وَعَرَفَ الْمُنَاكِرَ وَطَرِيقَ التَّغْيِيرِ فَتَبَرَّعَ بِهِ كَانَ مِنْهُ صَحِيحًا سَائِغًا , فَلَهُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ , وَلَهُ أَنْ يُرِيقَ الْخَمْرَ , وَكَسْرُ الْمَلَاهِي , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ نَالَ بِهِ ثَوَابًا , وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، فَإِنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا كَالصَّلَاةِ وَالْإِمَامَةِ وَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ , وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوِلَايَاتِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ التَّكْلِيفُ , وَلِذَلِكَ جَازَ لِآحَادِ النَّاسِ فِعْلُهُ وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ , وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ وِلَايَةٍ وَسَلْطَنَةٍ , وَلَكِنَّهَا تُسْتَفَادُ بِمُجَرَّدِ الْإِيمَانِ كَقَتْلِ الْمُحَارِبِ , وَإِبْطَالِ أَسْبَابِهِ , وَسَلْبِ أَسْلِحَتِهِ فَإِنَّهُ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ , فَالْمَنْعُ مِنْ الْفِسْقِ كَالْمَنْعِ مِنْ الْكُفْرِ [3] .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْعِلْمُ
13 -الْعِلْمُ الَّذِي يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهُ فِي الْمُحْتَسِبِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لِيَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ , فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِهَا رُبَّمَا اسْتَحْسَنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ وَارْتَكَبَ الْمَحْذُورَ وَهُوَ غَيْرُ مُلِمٍّ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغُ مَرْتَبَةِ
(1) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6034)
(2) - معالم القربة ص8 وإحياء علوم الدين 2/ 398
(3) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 149) وتيسير التحرير 2/ 248 وأدب القاضي للمارودي 1/ 275 وأدب الدنيا والدين ص 19وتحفة الناظر ص 7 ومعالم القربة ص 7