وَقَالَ الْجَصَّاصُ [1] : أَصْلُهَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَمُرَاعَاةُ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ وَصِدْقُ اللَّهْجَةِ وَالْأَمَانَةِ. وَالْعَدْلُ مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا عَنْ الْكَبَائِرِ وَلَا يَكُونُ مُصِرًّا عَلَى الصَّغَائِرِ , وَيَكُونُ صَلَاحُهُ أَكْثَرَ مِنْ فَسَادِهِ , وَصَوَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ , وَيَسْتَعْمِلُ الصِّدْقَ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً وَيَجْتَنِبُ الْكَذِبَ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً. وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ تَحَقُّقَ الْعَدَالَةِ فِي الْمُحْتَسِبِ إذَا كَانَ مُتَطَوِّعًا غَيْرَ صَاحِبِ وِلَايَةٍ , وَاشْتَرَطُوهَا فِي صَاحِبِ الْوِلَايَةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَا سَيَأْتِي.
أَمَّا وَجْهُ عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِي الْأَوَّلِ , فَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ تَشْمَلُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ , وَإِنْ تَرَكَ الْإِنْسَانُ لِبَعْضِ الْفُرُوضِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فُرُوضًا غَيْرَهَا , فَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّوْمِ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ , فَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ سَائِرَ الْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرِ , فَإِنْ فَرْضَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ , وَأَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - أَجْرَى فَرْضَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَجْرَى سَائِرِ الْفُرُوضِ فِي لُزُومِ الْقِيَامِ بِهِ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ [2] . فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: {مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ , وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ} [3] .
َقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُقْبَانِيُّ التِّلْمِسَانِيُّ الْمَالِكِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي الْعَدَالَةِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِفَةِ الْمُغَيِّرِ (الْمُحْتَسِبِ) أَوْ لَا. فَاعْتَبَرَ قَوْمٌ شَرْطِيَّتَهَا , وَرَأَوْا أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُغَيِّرُ , وَأَبَى مِنْ اعْتِبَارِهَا آخَرُونَ , وَذَلِكَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الشَّخْصِ فِي رَقَبَتِهِ كَالصَّلَاةِ فَلَا يُسْقِطُهُ الْفِسْقُ , كَمَا لَا يَسْقُطُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ بِتَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ. قَالَ عليه الصلاة والسلام: {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ} [4] وَلَيْسَ كَوْنُهُ فَاسِقًا أَوْ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُنْكَرَ بِعَيْنِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ خِطَابِ التَّغْيِيرِ لِأَنَّ طَرِيقَ الْفَرْضِيَّةِ مُتَغَايِرٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ [5] : وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ , لِأَنَّ الْعَدَالَةَ مَحْصُورَةٌ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْخَلْقِ , وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ [6] : الْحَقُّ أَنَّ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَحْتَسِبَ , وَبُرْهَانُهُ أَنْ تَقُولَ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الِاحْتِسَابِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَاطِيهِ مَعْصُومًا عَنْ الْمَعَاصِي كُلِّهَا؟ فَإِنْ شُرِطَ ذَلِكَ فَهُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ , ثُمَّ حَسَمَ لِبَابِ الِاحْتِسَابِ , إذْ لَا عِصْمَةَ
(1) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 3 / ص 272)
(2) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 3 / ص 467)
(3) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 3 / ص 467) والمعجم الأوسط للطبراني برقم (6817) وشعب الإيمان للبيهقي برقم (7307) ومجمع الزوائد برقم (12185) والبدع لابن وضاح برقم (289) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى نَعْمَلَ بِهِ، وَلاَ نَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى نَجْتَنِبَهُ كُلَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:بَلْ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ = وهو ضعيف
(4) - صحيح مسلم برقم (186)
(5) - أحكام القرآن لابن العربي 2/ 52
(6) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 149)