وَلِهَذَا اشْتَرَطَهَا فِي وَالِي الْحِسْبَةِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ [1] وَأَغْفَلَ اشْتِرَاطَهَا الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ بَسَّامٍ [2] وَأَدَارَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ حُكْمَهَا كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ , وَابْنِ تَيْمِيَّةَ عَلَى رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ , وَرَفْعِ الْمَشَقَّةِ , وَأَوْرَدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَاعِدَةً عَامَّةً فِي تَعَذُّرِ الْعَدَالَةِ فِي الْوِلَايَاتِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَامَّةً أَمْ خَاصَّةً بِتَوْلِيَةِ أَقَلِّهِمْ فُسُوقًا [3] .
وَلِابْنِ تَيْمِيَّةَ كَلَامٌ طَوِيلٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ خُلَاصَتُهُ: أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ الْأَصْلَحُ الْمَوْجُودُ وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ فَيُخْتَارُ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ بِحَسَبِهِ [4] ... .
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْقُدْرَةُ:
15 -قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [5] : وَأَمَّا الْقُدْرَةُ فَهِيَ أَصْلٌ وَتَكُونُ مِنْهُ فِي النَّفْسِ , وَتَكُونُ فِي الْبَدَنِ إنْ احْتَاجَ إلَى النَّهْيِ عَنْهُ بِيَدِهِ , فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الضَّرْبَ , أَوْ الْقَتْلَ مِنْ تَغْيِيرِهِ , فَإِنْ رَجَا زَوَالَهُ جَازَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الِاقْتِحَامُ عِنْدَ هَذَا الْغَرَرِ , وَإِنْ لَمْ يَرْجُ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ النِّيَّةَ إذَا خَلَصَتْ فَلْيَقْتَحِمْ كَيْفَمَا كَانَ وَلَا يُبَالِي. وَعِنْدَهُ أَنَّ تَخْلِيصَ الْآدَمِيِّ أَوْجَبُ مِنْ تَخْلِيصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ تَفْصِيلٌ فِيمَا تَسْقُطُ بِهِ الْحِسْبَةُ وُجُوبًا غَيْرِ الْعَجْزِ الْحِسِّيِّ , وَهُوَ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنْ الِاحْتِسَابِ مَكْرُوهٌ , أَوْ يَعْلَمَ أَنَّ احْتِسَابَهُ لَا يُفِيدُ , وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ هُوَ ضِدُّ الْمَطْلُوبِ , وَمُطَالَبُ الْإِنْسَانِ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: هِيَ الْعِلْمُ وَالصِّحَّةُ , وَالثَّرْوَةُ , وَالْجَاهُ , وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَطْلُبُهَا الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَلِأَقَارِبِهِ الْمُخْتَصِّينَ بِهِ , وَالْمَكْرُوهُ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: زَوَالُ مَا هُوَ حَاصِلٌ مَوْجُودًا. وَالْآخَرُ امْتِنَاعُ مَا هُوَ مُنْتَظَرٌ مَفْقُودٌ , ثُمَّ يَسْتَطْرِدُ فِي بَيَانِ مَا يُعَدُّ مُؤَثِّرًا فِي إسْقَاطِ الْحِسْبَةِ وَمَا لَا يُعَدُّ مِنْهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ [6] ، وَالْحَقُّ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ فِي الِاحْتِسَابِ , كَمَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ , وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ مِنْ الْأَئِمَّةِ , وَالْوُلَاةِ , وَالْقُضَاةِ , وَسَائِرِ الْحُكَّامِ , فَإِنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ بِعُلُوِّ الْيَدِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ , وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ , وَانْبِسَاطِ الْوِلَايَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (41) سورة الحج.
(1) - الأحكام السلطانية للماوردي 241 ولأبي يعلى 285 ومعالم القربة ص 7
(2) - لكل منهما كاتب يحمل اسم نهاية الرتبة في طلب الحسبة
(3) - قواعد الأحكام 1/ 86 و-87
(4) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 369) ومجموع رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - (ج 14 / ص 4) والقواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير - الرقمية - (ج 1 / ص 103) والسياسة الشرعية - (ج 1 / ص 5) والإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة - (ج 1 / ص 120)
(5) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 2 / ص 52)
(6) - إحياء علوم الدين 2/ 407 - 412 و إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 157)