فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 410

فَإِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْوُلَاةُ وَالْحَاكِمُ فَلَا عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّهُ إذَا أَهْمَلَ هَؤُلَاءِ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ , فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَلَمَّا كَانَتْ وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ مِنْ الْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ وَتَفْوِيضِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِنَابَةِ , وَيَقُومُ بِهَا نِيَابَةً عَنْهُ وَطَبِيعَتُهَا تَقُومُ عَلَى الرَّهْبَةِ , وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ , وَسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ , وَاِتِّخَاذِ الْأَعْوَانِ , كَانَ الْقِيَامُ بِالْحِسْبَةِ فِي حَقِّهِ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِحَالٍ , بِخِلَافِ الْآحَادِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُمْ الْحِسْبَةُ إلَّا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالسَّلَامَةِ , فَمَنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَصِلُهُ مَكْرُوهٌ فِي بَدَنِهِ بِالضَّرْبِ , أَوْ فِي مَالِهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ , أَوْ فِي جَاهِهِ بِالِاسْتِخْفَافِ بِهِ بِوَجْهٍ يَقْدَحُ فِي مُرُوءَتِهِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ حِسْبَتَهُ لَا تُفِيدُ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ , أَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُصَابُ بِأَذًى فِيمَا ذُكِرَ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ إذَا اُحْتُمِلَ الْأَمْرَانِ. وَإِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ هَلْ يَحْسُنُ الْإِنْكَارُ وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ تَرْكِهِ , أَمْ إنَّ التَّرْكَ أَفْضَلُ؟ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ لقوله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (17) سورة لقمان، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّرْكُ أَفْضَلُ لقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (195) سورة البقرة، لَكِنْ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى وُجُوبِ التَّرْكِ مَعَ تَيَقُّنِ الْأَذَى لَا سُقُوطِ الْوُجُوبِ وَبَقَاءِ الِاسْتِحْبَابِ فَتِلْكَ طَرِيقَةُ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَيْنُ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ [1] .

الشَّرْطُ السَّادِسُ: الْإِذْنُ مِنْ الْإِمَامِ [2] :

16 -اشْتَرَطَ فَرِيقٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْوَالِي , وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْآحَادِ مِنْ الرَّعِيَّةِ الْحِسْبَةُ , وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ إلَّا فِيمَا كَانَ مُحْتَاجًا فِيهِ إلَى الِاسْتِعَانَةِ وَجَمْعِ الْأَعْوَانِ , وَمَا كَانَ خَاصًّا بِالْأَئِمَّةِ أَوْ نُوَّابِهِمْ , كَإِقَامَةِ الْحُدُودِ , وَحِفْظِ الْبَيْضَةِ , وَسَدِّ الثُّغُورِ وَتَسْيِيرِ الْجُيُوشِ , أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ لِآحَادِ النَّاسِ الْقِيَامَ بِهِ , لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالرَّدْعِ عَامَّةٌ , وَالتَّخْصِيصُ بِشَرْطِ التَّفْوِيضِ مِنْ الْإِمَامِ تَحَكُّمٌ لَا أَصْلَ لَهُ , وَأَنَّ احْتِسَابَ السَّلَفِ عَلَى وُلَاتِهِمْ قَاطِعٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الِاسْتِفْتَاءِ عَنْ التَّفْوِيضِ [3] . وَشَرَحَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ [4] : إنَّ الْحِسْبَةَ لَهَا خَمْسُ مَرَاتِبَ:

(1) - تحفة الناظر ص 6 والآداب الشرعية 1/ 180

(2) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6042)

(3) - الإحياء 2/ 403 وشرح مسلم للنووي 2/ 23و معالم القربة 21 والآداب الشرعية 1/ 195 و تحفة الناظر 9 و10 والزواجر 2/ 170 والفواكه الدواني 2/ 394

(4) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 152)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت