فَإِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْوُلَاةُ وَالْحَاكِمُ فَلَا عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّهُ إذَا أَهْمَلَ هَؤُلَاءِ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ , فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَلَمَّا كَانَتْ وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ مِنْ الْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ وَتَفْوِيضِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِنَابَةِ , وَيَقُومُ بِهَا نِيَابَةً عَنْهُ وَطَبِيعَتُهَا تَقُومُ عَلَى الرَّهْبَةِ , وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ , وَسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ , وَاِتِّخَاذِ الْأَعْوَانِ , كَانَ الْقِيَامُ بِالْحِسْبَةِ فِي حَقِّهِ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِحَالٍ , بِخِلَافِ الْآحَادِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُمْ الْحِسْبَةُ إلَّا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالسَّلَامَةِ , فَمَنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَصِلُهُ مَكْرُوهٌ فِي بَدَنِهِ بِالضَّرْبِ , أَوْ فِي مَالِهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ , أَوْ فِي جَاهِهِ بِالِاسْتِخْفَافِ بِهِ بِوَجْهٍ يَقْدَحُ فِي مُرُوءَتِهِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ حِسْبَتَهُ لَا تُفِيدُ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ , أَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُصَابُ بِأَذًى فِيمَا ذُكِرَ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ إذَا اُحْتُمِلَ الْأَمْرَانِ. وَإِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ هَلْ يَحْسُنُ الْإِنْكَارُ وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ تَرْكِهِ , أَمْ إنَّ التَّرْكَ أَفْضَلُ؟ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ لقوله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (17) سورة لقمان، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّرْكُ أَفْضَلُ لقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (195) سورة البقرة، لَكِنْ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى وُجُوبِ التَّرْكِ مَعَ تَيَقُّنِ الْأَذَى لَا سُقُوطِ الْوُجُوبِ وَبَقَاءِ الِاسْتِحْبَابِ فَتِلْكَ طَرِيقَةُ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَيْنُ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ [1] .
الشَّرْطُ السَّادِسُ: الْإِذْنُ مِنْ الْإِمَامِ [2] :
16 -اشْتَرَطَ فَرِيقٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْوَالِي , وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْآحَادِ مِنْ الرَّعِيَّةِ الْحِسْبَةُ , وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ إلَّا فِيمَا كَانَ مُحْتَاجًا فِيهِ إلَى الِاسْتِعَانَةِ وَجَمْعِ الْأَعْوَانِ , وَمَا كَانَ خَاصًّا بِالْأَئِمَّةِ أَوْ نُوَّابِهِمْ , كَإِقَامَةِ الْحُدُودِ , وَحِفْظِ الْبَيْضَةِ , وَسَدِّ الثُّغُورِ وَتَسْيِيرِ الْجُيُوشِ , أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ لِآحَادِ النَّاسِ الْقِيَامَ بِهِ , لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالرَّدْعِ عَامَّةٌ , وَالتَّخْصِيصُ بِشَرْطِ التَّفْوِيضِ مِنْ الْإِمَامِ تَحَكُّمٌ لَا أَصْلَ لَهُ , وَأَنَّ احْتِسَابَ السَّلَفِ عَلَى وُلَاتِهِمْ قَاطِعٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الِاسْتِفْتَاءِ عَنْ التَّفْوِيضِ [3] . وَشَرَحَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ [4] : إنَّ الْحِسْبَةَ لَهَا خَمْسُ مَرَاتِبَ:
(1) - تحفة الناظر ص 6 والآداب الشرعية 1/ 180
(2) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6042)
(3) - الإحياء 2/ 403 وشرح مسلم للنووي 2/ 23و معالم القربة 21 والآداب الشرعية 1/ 195 و تحفة الناظر 9 و10 والزواجر 2/ 170 والفواكه الدواني 2/ 394
(4) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 152)